21-10-2019 12:39 AM بتوقيت القدس المحتلة

"فنكلستين" يروي رحلة يهودي أميركي بحثاً عن الحقيقة والعدالة ..!

قام بزيارة لبنان حيث قابل بعضاً من أبرز قيادات "حزب الله" ودافع هناك عنه ووصفه بأنه يمثل "الأمل". المفكر اليهودي الأميركي نورمن فنكلستين من اليهود التفدميين الذين يرون أن دولة "إسرائيل" ظاهرة غير قابلة للحياة

في العام 2008 قام بزيارة لبنان حيث قابل بعضاً من أبرز قيادات "حزب الله" ودافع هناك عن الحزب ووصفه بأنه يمثل "الأمل". المفكر اليهودي الأميركي نورمن فنكلستين. هو من اليهود التفدميين الذين يرون أن دولة "إسرائيل" ظاهرة غير قابلة للحياة لأنها قامت على أسس تدمير شعب آخر، وأن الصهيونيّة ،ظاهرة استعماريّة، عرقيّة، شريرة، سرقت من شعب آخر أرضه وما تزال مستمرة في اضطهاده.

"فنكلستين" يروي رحلة يهودي أميركي بحثاً عن الحقيقة والعدالة ..!يبدو أن هذه المواقف يدفع ثمنها غالياً حين تقال بصوت عالٍ في الغرب، وعلى وجه الخصوص في ما يسمونها "أرض الأحلام" الولايات المتحدة الأميركية.

فنكلستين نموذج حي وبارز على سياسة اضطهاد الفكر الحر والرأي الحر في "بلاد الحرية"، إذ يظهر للعيان الحقيقة الساطعة أن ادعاء حق الحرية وممارستها في "بلاد العم سام" هي جرعات كذب يصدقها العالم العربي الغارق بالديكتاتورية حين يتبجّح بعض مثقفينا بتلك الأميركا..

يكشف نورمن فنكلستين في كتابه " إسرائيل، فلسطين، لبنان : رحلة أميركي يهودي بحثاً عن الحقيقة والعدالة"، الصادر عن دار الآداب، بشفافية علمية وموضوعية حقيقة أسطورة النظام التعليمي الأميركي الحر، إذ عرّاه تماماً من تلك الصفة التي تزال في أذهان شعوب العالم " المصداقية والواقعية".

وتبيّن أن هذا النظام "الحر" يحاسب على المستوى الأكاديمي للمدرّسين والطلاب. فنكلستين، الطالب ثمّ المحاضر الجامعي، يروي قصّته، قصّة تجويع واضطهاد حقيقيين مارسهما عليه «النظام»، من إدارة الجامعات التي تعلّم وعلّم فيها (من بروكلين إلى هنتر إلى نيويورك وصولاً إلى جامعة سان بول في شيكاغو)، حيث حُرم من المنح التعليمية ومن رسائل التوصية والراتب المناسب لساعات تعليمه، كما حُرم، بعد عقدين من نيله أطروحة الدكتوراه، من حقّ الوظيفة الثابتة، وكلّ ذلك عقاباً له ولمواقفه الأكاديمية والسياسية، المناهضة للوبي الصهيوني وللسياسات الإسرائيلية... وهي مواقف اختصرها الحاخام الصهيوني آرثر هيرتزبرغ، بمخاطبته: «أنت في اصطبل نعوم تشومسكي».

في مقدّمته «إلى القرّاء العرب»، يعود الكاتب إلى محاضر جلسة مجلس الأمن التي عُقدت بعد «نكسة» العام 1967، لكي يفضح الأسلوب الذي يلجأ إليه العقل الإسرائيلي في السياسة، وهو فرض الشروط التعجيزية، التي يعرف العقل الصهيوني أنّ العرب سيرفضونها، وبذلك تبرّر "تل أبيب" السير قدماً في الاحتلال والاستيطان... بعد المقدمة يتألف الكتاب من فصلين، الأول يتعلق بـ"الأبحاث والمقالات"، ويدخل تحت عنوانها "رهاب الإسلام وإنكار الهولوكوست، نقد كتاب اللوبي الإسرائيلي والساسية الخارجية الأميركية لميرشايمر ووالت، لماذا كان أنصار المقاومة اللبنانية على حق حين لبطوا تقرير هيومان رايتس واتش؟، مفاوضات كامب ديفيد الثانية: كيف "أثبت" دنيس روس أن الفلسطينيين أجهضوا عملية السلام. وفي الفصل الثاني يحمل عنوانه "شذرات من حياة سياسية"، يدخل تحته : وجدتها !، مثل الزفت، يظنون أننا خراف.

وفي انتقاله إلى محاججة رأي دينيس روس بشأن مفاوضات كامب دايفيد 2000، لا يحتاج الأمر إلى الكثير من الجهد مع الكاتب ليدمّر أطروحة روس الذي رأى أنّ سبب فشل المفاوضات كان ياسر عرفات والعقلية العربية التي ترى أن من حقّها استرداد الأراضي المحتلّة بحدود العام 1967... ! ..

وفي الحقيقة لو كلف محامٍ ما بالدفاع عن "حزب الله" إزاء التقرير الشهير الذي أصدرته منظمة "هيومن رايتس واتش" الصادر عن تحقيق مزعوم بشأن ارتكاب الحزب جرائم حرب في عدوان تموز 2006، لم يكن قادراً على كشف تلك المزاعم مثلما تمكّن نورمن فنكلستين أن يفعل. فهو ببراعة متناهية يبيّن كيف زوّرت المنظمة تقريرها لتطفئ غضب "إسرائيل" بعد تقريرها الأول. والمفارقة في أن يقول التقرير إن حزب الله قصف أماكن مدنية في حين يعترف قادة الكيان العسكريين كيف كان "حزب الله" يستهدف مراكزهم العسكرية بدقة. والمفارقة الأخرى أن المنظمة نفسها تعترف أن "إسرائيل" لم تسمح لها بتفحص بعض الأماكن التي ادعت أن الحزب قصفها في الحرب.

إلا أن ما يشدّك إلى الكتاب هو السرد الخاص من الكاتب حول سيرته الذاتية وما جرى معه في مسيرة طويلة من الاضطهاد، وقبل تعرضه لهذا الاضطهاد يروي بنفس واثق سيرة مواقفه السياسية بدءاً من الاجتياح الإسرائيلي للبنان العام 1982، ومن ثم مجرزة صبرا وشاتيلا، ويذكر كيف كان يغيظه أن تصف "إسرائيل" ان كل ما تفعله كان باسم يهود العالم..!.. ويقول :" قد بدا مفيداً من الناحية السياسية أن نعرّف أنفسنا علناً بأننا يهود معادون للحرب. المشكلة أن مجموعتنا لم تستطع أن تتفق على أي أمر يتعدّى كوننا يهوداً، بل لم تتفق على هذا الأمر نفسه إلا بصعوبة !..".

ولكن الرحلة التي تسلب لبّك فعلاً هو غوضه غمار فضح الأكاذيب التي كتبتها "جون بيترز" في كتاب لها بعنوان " منذ قديم الزمان" تزعم فيه أن أرض فلسطين كانت خالية من السكان حين قدوم الهجرات اليهودية إليها، ويحكي نورمن كيف دهش جداً عندما اكتشف الكذبة وصرخ بصوت عالٍ سعيداً بنفسه "وجدتها !".. إلا إن هذا الاكتشاف استغرق منه عامين من الحرب المتواصلة حتى تمّكن من إسماع صوته أمام صوت "بيترز"، إذ أثبت بالبراهين القاطعة كيف قامت المؤلفة بتشويه كل الأصول المرجعية البحثية التي ادعت أنها استقت منها معلوماتها.

نورمن فنكلستين في بنت جبيل في لبنانويبدو أن هذا الجهد البحثي والعلمي أثّر بشكل سلبي كبير على "سمعته" الأكاديمية وتعثرت خطواته لنيل شهادة الدكتوراه. وبالنسبة إلينا نحن القراء العرب يفجر لنا قنبلة كارثية كبرى حين يقول إن الدرس الثقافي الأول الذي تعلّمه عند دخوله جامعة برنستون العام 1975 كان "كيفية عدم البحث عن الحقيقة"..!!.. بينما يروي تحت عنوان "مثل الزفت" كيف تتابعت حياته يدفع الأثمان الباهظة لأنه كان يقول الحقيقة.. إلى مستوى وصوله إلى حد  التجويع....!!..

فهل تتخيل عزيزي القارئ أن أميركا بلد العلم والحضارة أول ما تعاديه هو الحقيقة عندما تتعلق القضية بحق الشعوب الأخرى وحرية هذه الشعوب في الحياة والحرية والكرامة.. ؟!

يقول صاحب كتاب "صناعة الهولوكوست" :إن ردة الفعل الطاغية بعد محاضراتي عن فظائع إسرائيل كانت تراوح بين الصمت المميت والغضب الذي يكاد يكبح. وذات مرة غامر أحد الحضور فسأل أمي ‘عن رأيها في محاضرات ابنها. ردّت أمي :"الجريمة الوحيدة التي اقترفها الفلسطينيون هي أنهم ولدوا في فلسطين..". .. طبعا هي تسخر من محاولات تزييف الحقيقة الساطعة..

في الختام يبقى أن نذكر أن ترجمة صاحب دار الآداب سماح إدريس للكتاب جاءت غاية في المهنية والعلمية والصرامة والدقّة، إذ عرّب مصطلحات لم يعتَد القارئ العربي إيجادها.