21-10-2019 12:21 AM بتوقيت القدس المحتلة

"الوليّ المجدّد" .. السدّ المنيع والنموذج القدوة

وهنا يطرح الخامنئي مصطلح "السيادة الشعبية الدينية" التي تُبنى على حكم الإسلام وسيادة الشعب، والتي ينبغي عدم تشبيهها بالديمقراطية الغربية.

اعتقد الكثيرون أن خليفة الإمام الخميني (قده) السيّد علي الخامنئي لن يستطيع إدارة إيران الإسلامية بعد وفاة الإمام، لعدّة أسباب واعتبارات جوهرية. وراهن هؤلاء على أن إيران ستتغيّر بشكل حاسم بما يرضي أهواء المعادين لخطّ الإمام، وينهي عصر الثورة الإسلامية إلى الأبد!..

*حسن صعب/ خاص موقع المنار

لكن، سرعان ما خابت ظنون من أوحى بتلك التوقعات، حين تصدّى الإمام الخامنئي بكلّ شجاعة وحكمة ودراية للمسؤوليات الضخمة التي ألقِيت على عاتقه، وكان خير خلف لخير سلف.

وما يميّز كتاب "الوليّ المجدّد"، الذي أعدّه بكلّ عناية وتدبّر سماحة الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله في لبنان، والصادر حديثاً عن دار المحجة البيضاء، أنه استفاد من خطب ومواقف القائد في المناسبات المختلفة في وضع فصول الكتاب الرئيسية وتفريعاتها، على أساس مبادئ الإسلام العامة التي وردت في القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة، في تظهير آراء وأفكار القائد؛ وكلّ ذلك بأسلوب سلس وشيّق يدفع بالقارئ لاستكمال ما بدأه من أيّ موضع في الكتاب، حتى يكتشف الرؤية الواضحة التي يريد المؤلّف إيصالها إليه، سواء في الجانب الديني والسياسي العام، أو بما يخصّ شخصية القائد وخصاله المتعدّدة، والتي عكست نفسها في مختلف المحطات الأساسية لمسيرة الثورة الإسلامية بعد رحيل قائدها الملهم، الإمام الخميني (قده).

في الفصل الأول: إحياء الدين

يعرض المؤلف للمعالم الرئيسية لخطّ الإمام الراحل، التي سار على هداها الإمام الخامنئي، والتي لخّصتها وصية الإمام التاريخيّة؛ فهي دستور عمل شامل لشعب إيران وشعوب العالم. كما يمكن التعرّف على خطّ الإمام من خلال كلماته وبياناته، حيث توزّعت قواعد رؤيته في كل المجالات: في السياسة الداخلية والخارجية والثقافة والاقتصاد وغيرها.
لقد انطلق الإمام الخميني (قده) من الإسلام المحمدي الأصيل، وأوضح معانيه وكمالاته ومواكبته لحياة الإنسان في الدنيا والآخرة، حسبما يؤكّد السيد القائد؛ وهو ركّز على دور الشعب، خصوصاً عبر الانتخابات الحرّة والدورية.

وعلى الصعيد الذاتي، يصف القائد الإمام الخميني بما يظهر بعض أبعاد شخصية هذا الإمام العظيم الذي غيّر وجه التاريخ، وقلب المعادلات في المنطقة والعالم، ووحّد الأمّة على نهجه.فالإمام لم يعمل سوى لله تعالى، ولم يتنازل عن المبادئ والأصول، ووقف سداً منيعاً في مواجهة الأعداء بفضل بصيرته وحزمه. وهو شكّل النموذج والقدوة، وكان مرشداً بحقّ للثورات الشعبية في العالم أجمع. 

حول الصحوة الإسلامية، يتحدث القائد عن رؤية الإمام لهذه الصحوة، وعن الثورة الإسلامية التي تعتبر أم الصحوات والانتفاضات الإسلامية في المنطقة. ولأن الثورة أنموذج وقدوة للشعوب، فالأعداء يواجهونها لتشويه مكانتها ودورها، والفصل بينها وبين الصحوة التي أيقظت شعوب الأمّة الإسلامية بعد الويلات التي مرّت عليها.

لكن هذه الصحوة متواصلة ومنتصرة، حسب القائد الخامنئي. أما "الربيع العربي" الذي تأثّر بإرهاصات الصحوة الإسلامية، فهو ناقص إذا لم يستثمر مقوّمات هذه الصحوة بشكلٍ كافٍ.وحسب القائد، فإن القضية الفلسطينية كانت أبرز تطبيق عملي وميداني من بركات الصحوة، التي حرّكت المسلمين والعرب والأحرار باتجاهها لرفض الاحتلال والظلم.

في الفصل الثاني: التخطيط الاستراتيجي:

يتحدث مؤلّف الكتاب عن الوثائق الاستراتيجية التي وضِعت تحت إشراف الإمام الخامنئي المباشر، والتي تستشرف آفاق المستقبل والتقدم في إيران، في المجالات المختلفة.وأبرز تلك الوثائق، وثيقة العشرين سنة (بدءاً من العام 2005)؛ عقد التقدّم والعدالة (بدءاً من العام 2009)؛ ملتقيات الأفكار الاستراتيجية (بدءاً من العام 2011)؛ الخارطة العلمية الشاملة (2025)؛ وثيقة التحوّل البنيوي للتربية والتعليم؛ الميثاق الاستراتيجي للنخب، الاهتمام بالعلوم الإنسانية؛ التحوّل في الحوزات؛ التخطيط الثقافي.

ويتوقف المؤلّف عند سعة اطّلاع القائد؛ فهو مطّلع على التاريخ، وقارئ روايات محترف، ومحيط باللغة العربية وآدابها. والإمام الخامنئي أيضاً مستمع يحترم مُجالسيه، وهو مطّلع على الثورات والأحداث العالمية، ويتابع أعمال الفنّانين والشعراء، فضلاً عن أنه مرجع تقليد حائز على الأعلمية والدقّة في أبحاثه العلمية واستنباطه وشمولية معرفته.

في الفصل الثالث من الكتاب: وعنوانه: السيادة الشعبية والنصر، يتحدث المؤلف عن ولاية الفقيه الخاصة وولاية الفقيه العامة، كما تبلورت مع الإمام الخميني، وهي الولاية المطلقة تنفيذياً وإدارياً، مضافاً إليها إدارة شؤون المسلمين على مستوى الأمّة.ومعروف أن الإمام الخامنئي قد اختير خليفة للإمام الراحل في هذا المنصب الرفيع، بتوصية من الإمام وباختيار أغلبية قادة إيران ومسؤوليها، وبتزكية المراجع العظام في قمّ المقدّسة.

بعدها، يستعرض المؤلف رأي الإمام الخامنئي بولاية الفقيه؛ فهي ولاية مطلقة وصلاحياتها واسعة، وعلى المسلمين جميعاً إطاعة الأوامر الولائية الشرعية الصادرة من وليّ أمر المسلمين. وإن الفائدة العظيمة لقيد "الإطلاق" في ولاية الفقيه المطلقة هي المرونة والقدرة على التخطيط والقرار بما يراعي مصالح الناس. فالولاية المطلقة لا تعني الاستبداد؛ بل هي ـ حسب قول القائد ـ تعني وجود حالة من الليونة والمرونة لدى من بيده مقاليد الأمور.

وهنا يطرح الخامنئي مصطلح "السيادة الشعبية الدينية" التي تُبنى على حكم الإسلام وسيادة الشعب، والتي ينبغي عدم تشبيهها بالديمقراطية الغربية. وتتجلّى قيمة الصوت الشعبي في أثرها الانتخابي، حيث جرت حتى الآن 32 مشاركة انتخابية للناس خلال 32 سنة في المواقع المختلفة في إيران، والتي أكسبت النظام حضوراً ومناعة قويين.

ويربط المؤلف بين قيام الجمهورية الإسلامية في إيران وحركة الإمام الحسين، حيث لا تنفصل حركة الأمّة منذ البداية، مع خاتم الأنبياء محمد (ص) عن نهايتها مع الإمام المهدي (عج). فالمهدوية من المسلّمات عند جميع المسلمين. لكن انتظار الإمام لا يعني التكاسل والجمود، بل يعني الاستعداد من جميع الجوانب الدينية والسلوكية، ومواجهة الظلم وتوفير كلّ مقوّمات الصلاح. والجمهورية الإسلامية ـ حسب القائد ـ من مقدّمات ظهور هذا الإمام العظيم.

الفصل الرابع: سمّاه مؤلّف الكتاب (مواجهة الحرب الناعمة):

وفيه تحدث المؤلّف عن استخدام أعداء الإسلام لمختلف وسائل الحرب الناعمة البارزة، كوسائل الإعلام والاتصالات، لدكّ بنيان الجمهورية الإسلامية من الداخل، حسبما يفصّل السيد الخامنئي في عدة خطب له، منبّهاً إلى أن أحد أهداف هذه الحرب هو إيجاد التغيير في حسابات الناس بالتشويش على قناعاتهم عبر تلفيق الحقائق وبثّ الفرقة والخلافات بين أبناء الشعب ومع المسؤولين، وفي كلّ الاتجاهات والقضايا.

ويتحدث القائد حول كيفية مواجهة الحرب الناعمة، من خلال البناء العقائدي الروحي المتين وتفعيل دور أساتذة الجامعات والعلماء وغيرها.وفي السياق، يعرض المؤلف لفتنة الانتخابات الرئاسية العاشرة (2009)، كما سمّاها الإمام الخامنئي، لما أحاط بهذه الانتخابات من تحريض وأكاذيب وبلبلة وعنف وفوضى. وقد سقطت تلك الفتنة ببركة عاشوراء، حين هاجم أنصار المرشّح الخاسر مير حسين موسوي احتفالات عاشوراء في طهران لتخريبها، فأحرقوا الأقمشة السوداء والشعارات وصور الإمام الخميني، فانتفض الناس ضدّهم، وتمّ إخماد الفتنة بشكل كامل.

حول الحقّ بالطاقة النووية السلمية، يشير الإمام الخامنئي إلى حقّ جميع شعوب العالم بالاستفادة من الطاقة النووية السلمية، وأن امتلاك التقنية النووية يعزّز جبهة الحقّ، وأنه من المهم لإيران (وغيرها) كسر الاحتكار العلمي حتى تحقّق التقدّم في مختلف المجالات.

ويؤكّد الوليّ الفقيه على عجز الولايات المتحدة عن منع الشعب الإيراني من حقّه، وأن الغرب سيفشل في مواجهة التقدم العلمي الإيراني، متهماً الغربيين بأنهم استخدموا السلاح النووي ضدّ الشعب الياباني، فضلاً عن تخزينهم وتطويرهم المستمرّ لأسلحة الدمار الشامل.. كما يفعل حليف أميركا في المنطقة، الكيان الغاصب لفلسطين.

في الفصل الخامس (مقوّمات التنشئة الاجتماعية): يعرض مؤلّف الكتاب لأفكار السيّد القائد حول التربية والتعليم، الذي يشدّد على أهمية "وثيقة التحوّل البنيوي التربوي" بعد إقرارها، لصياغة نموذج تربوي إسلامي خاص بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا يكون مستورداً ولا تقليداً للآخرين.

كذلك، دعا القائد الحوزات العلمية الدينية لتحمل مسؤولياتها في هذا المجال، مشدّداً على دور المعلّم والمربّي الذي يغيّر العادات، ويربّي على الطراز الإسلامي، على أساس تزكية النفس والأخلاق.أيضاً، يشكّل القرآن الكريم محوراً أساسياً في خطب ومواقف القائد، الذي يرعى منذ العام 1981 أكثر المسابقات الدولية التي تُقام سنوياً لحفظ وتلاوة القرآن الكريم في إيران.

ويوصي الخامنئي الشباب بأن يأنسوا بالقرآن ويجالسوه، لأن آياته كالماء تهب الحياة، وحيث تتراكم الرحمة في عقول وقلوب المؤمنين، مع نصحه الدائم بتوجيه التعليم القرآني نحو المعاني والمعارف المفيدة.عن المرأة والأسرة، يتحدث السيد الخامنئي عن فاطمة الزهراء (ع) كقدوة للنساء والرجال يمكارمها ومواقفها، مع دعوة كلّ النساء كي يبلغن مقام السيّدة الزهراء عليها السلام.

وفي هذا المجال، يدعو القائد للتوازن في توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة على أساس العدل في تحديد الحقوق والواجبات. ويفصّل القائد دورالمرأة الرئيسي في بناء الأسرة الصالحة وذلك من الموقع الإنساني والإسلامي، مبيّناً حقوقها في اختيار الزوج المناسب والمشاركة في الحياة العامة وتسلّم الوظائف والمناصب الملائمة لها، مع تشديده على عفاف المرأة وحجابها، ورفض نظرة الغرب الاستغلالية لها.

حول الشباب والثورة، يقول السيّد القائد إن الشباب هم الذين أنقذوا البلاد، وكانوا مندفعين للقتال على الجبهات، وينصحهم الشباب بالاعتماد على ثلاثة عناصر: البصيرة والإخلاص والعمل، وخصوصاً شباب الجامعات.
أما عن حرس الثورة الإسلامية، الذي تأسس مع قيام الدولة الإسلامية في إيران، وهو الذي حمى الثورة وإنجازاتها، فيقول الإمام الخامنئي إن هؤلاء حملوا أرواحهم على أكفّهم، وهم أصحاب كفاءات سخّروها في خدمة الثورة وقد تربّوا في مدرسة سيّد الشهداء الإمام الحسين (ع).

ويوجّه القائد شباب الحرس لعدم التدخل في الزواريب السياسية، مع الحرص على تحصيل الوعي السياسي، في إطار حماية الثورة فقط. واستطراداً، فإن لشباب التعبئة نصيب أيضاً من توجيهات الخامنئي، الذي يعتبرهم جنود وليّ العصر (عج)، وهو يفتخر بأن يكون واحداً من أفراد التعبئة لدورهم العظيم في الدفاع عن الثورة.

وفي الفصل الأخير (قضايا مهمة)، يبيّن مؤلّف الكتاب مواقف السيّد القائد من الوحدة الإسلامية (بين الشيعة والسنّة)، والتي لا تعني أن يكون الجميع على مذهب واحد، بل أن يجتمعوا على القواعد الأساسية للإسلام وفي مواجهة الكفر والاستكبار الذي يتربّص بهم جميعاً، مع إدانة القائد لطبع الكتب التحريضية على السنّة أو الشيعة، والتي تخدم الأعداء.

أما فلسطين، فهي عند القائد القضية المركزية للثورة الإسلامية، كما كانت لدى الإمام الخميني الراحل (قده). إنّها برأيه قضية عقيدة، وقضية إنسانية، وليست مجرّد قطعة أرض، وعلى الجميع أن يتحمّلوا مسؤوليتهم تجاهها، مع رفضه للألاعيب السياسية والمساومات والتنازل عن الأرض الفلسطينية تحت أيّ ذريعة، لأن تحرير فلسطين تكليف ديني بالأصل.

وبناءً عليه، يرفض القائد ما يسمى مشروع الدولتين، لأن فلسطين لأهلها الفلسطينيين، مع تأكيده على ضرورة إجراء استفتاء شعبي فلسطيني حول الدولة التي يقبلون بها، كخيار بديل عن الحلّ العسكري والمقاومة؛ على أن يكون هذا الاستفتاء تحت إشراف دولي لضمان نزاهته.

وفي العنوان الأخير، حديث عن جهاد حزب الله في لبنان كقدوة للمسلمين، لجهة تقديم التضحيات والشهداء والصمود بوجه الاستكبار والظلم والاحتلال، بما جعل من مجاهدي حزب الله رمزاً للمقاومين في فلسطين، وعلى امتداد العالم، خصوصاً في الجوانب المعنوية والروحية، حسب السيّد القائد.

* حسن صعب كاتب لبناني