21-10-2019 01:05 AM بتوقيت القدس المحتلة

"عن عشرة أعوام مع حافظ الأسد.."

"حين جلسنا لنتبادل حديثنا الانفرادي بدأت أولبرايت المحادثة بالقول: بثينة نحن في ورطة، وأنا بحاجة الى مساعدتك". كلام أولبرايت. كان ناشئاً عن تعنت اسرائيلي يرفض الانسحاب من الجولان.

في الكتاب الشيق للدكتورة "بثينة شعبان" الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية بعنوان "عشرة أعوام مع حافظ الأسد" 1990 -2000، ما يحدونا إلى نصح كل سياسي أو إعلامي أو مناضل عربي، أن يطلّع عليه، بل أن يقرأه يتمعن، لما يتضمنه من إضاءات على مرحلة حساسة من تاريخ سوريا الحديث والوطن العربي على العموم، في خِضم الصراع العربي الإسرائيلي.

هاني سليمان رئيس لجنة المبادرة لكسر الحصار عن غزة

كانت الدكتورة "بثينة شعبان" مترجمة الرئيس الأسد في محادثاته واستقبالاته لرؤساء دول العالم في مدى عقد من الزمن، وخاصة في المفاوضات مع الرؤساء الأميركيين، "جيمي كارتر" و"بل كلينتون" و"جورج بوش". تلك المحادثات التي قادت هؤلاء الرؤساء إلى دمشق، في حين أن الرئيس حافظ الأسد مات ولم يزر العاصمة الأميركية، لا لأنه يكره السفر- وقد زار بلداناً أخرى- بل لإعتباره أنه طالما أن الإدارة الأميركية منحازة لإسرائيل، فإن زيارة أميركا تُعتبر عنده من الممنوعات فاكتفى بلقاء رؤسائها في سويسرا كدولة محايدة.

وإذا كان محتوى هذا الكتاب بصورة عامة هو السياسة والحرب والمفاوضات والمحاضر والمراسلات، فإن الجانب الإنساني كان حاضراً فيه أيضاً. إنعكس ذلك في سلوك تلك المرأة، التي وصفها مندوب الرئيس كلنتون إلى محادثات السلام "دنيس روس"، في مذكراته بعنوان " السلام المفقود" بأنها << امرأة غير عادية، ولم تكن في رأيي لتقترح أية مواقع من المرونة أو لتفتح أي طريق لدفع المفاوضات إلى الأمام ما لم تخَّول بذلك، ولم تكن "قناة الفتيات" (إشارة إلى علاقة بثينة بوزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت) ستدع وسيلة لنا للتأثير في الموقف السوري بل أعتقد أنها بدلاً من ذلك كانت قناة السوريين للتأثير فينا>>.

لقد تجلّى ذلك الحس الانساني، غير المتخلّي عن ثوابت الموقف السوري من خلال نقطتين. الأولى بحديثها السياسي الدائم عن قناعتها الشخصية بوجوب إحلال السلام بين البشر، مع إدراكها أن إسرائيل هي بطبيعتها عدوة للسلام، والثانية بحديثها العاطفي عن عائلتها التي زارتها لتودعها للذهاب إلى مفاوضات السلام في مدريد.

<< حين اتضح اننا سنسافر أواخر تشرين الاول اكتوبر، سنة 1991 توجهت إلى والدتي ووالدي وزوجي وطفلتيَّ وقلت لهم: إنني ذاهبة مع وفد للمشاركة في مفاوضات السلام مع الاسرائيليين. لم يكن من السهل عليّ سواء على المستوى العاطفي أم على المستوى الاجتماعي أن أنطق بهذه الكلمات، لكنني كنت مقتنعة تماماً أن على المرء في بعض الأحيان أن يعلو فوق مشاعره الشخصية في سبيل تحقيق هدف سام>>.

يتضح جلياً مما تضمنه الكتاب بصفحاته الـ "320"، ثوابت الموقف السوري المتمثلة باستعادة هضبة الجولان وانسحاب إسرائيل الى حدود الرابع من حزيران 1967 وليس إلى حدود سنة 1923. وقد شرحت الدكتورة شعبان الفرق بين تلك الحدود بما يلي<< قد يكون من المفيد هنا إبراز الفوارق المختلفة بين موقفنا وموقف الأميريكيين والإسرائليين من حدود 1923 و1967. ففي أثناء حرب فلسطين عام 1948، استولى الجيش السوري على أرض الى الغرب من خط حدود 1923 في ثلاث مناطق ومن المعروف أن هذا أغضب الرئيس الأميركي هاري ترومان، الذي دعم بقوة قيام دولة إسرائيل. وكجزء من اتفاقية الهدنة، انسحبت سورية، التي كان يرأسها حسني الزعيم آنذاك، من هذه المناطق الثلاث جميعها، وعادت الى خط 1923، وجُعِلت تلك المناطق منزوعة السلاح.

وفي حرب عام 1967، استولت إسرائيل على حوالي ثلثي المناطق المنزوعة السلاح. ويبلغ الفرق بين خطي 1923 و1967 نحو 66 كيلو متراً مربعاً. والمنطقة ذات أهمية حيوية من ناحية الماء، وخصوصاً عند نبع بانياس، وضفة بحيرة طبريا (بحر الجليل). وكان رابين يخشى أن يعطي الحضور السوري على بحيرة طبريا سورية حصة مما يدّعي أنه مخزون إسرائيل المائي الوحيد. لم يقبل الرئيس "الأسد" هذا المنطق على الإطلاق، قائلاً:<< إنها أرض سورية منذ زمن طويل سابق لوجود إسرائيل، ومن الضروري إعادتها الى سورية. نقطة: انتهى الكلام! هذه مسألة لا تفاوض فيها>>. وكلما أخبره الأميركيون أن رابين << لا يعرف >> الفرق بين الخطين، أجاب:<>.

من خلال المفاوضات وما تضمنه الكتاب كان واضحاً أن الرئيس "الأسد" لم يكن متعجلاً في أمره كما الرئيس كلنتون في محادثات السلام تلك، لعِلمه بأن "الإسرائيلي" ليس مستعداً لتقديم أية مقترحات تتعلق بالانسحاب من الجولان المحتل.
 قال كلنتون: << لنتوصل إلى اتفاقية حول المبادئ الأولية للمحادثات الثنائية، وكان كلينتون يقول:<< إن في جيبه تعهداً من إسحاق رابين بالانسحاب من الجولان ويريد أن يملأ جيبه بتعهد سوري حول التطبيع والترتيبات الأمنية" (صفحة 130). ذهب إسحاق شامير، وذهب شمعون بيريز، وقتل إسحاق رابين... ومحادثات السلام التي "ترعاها" أميركا لم تتقدم خطوة واحدة.

تقول الدكتورة "بثينة شعبان":

<>.(صفحة 238).ثم تكلم الأسد عن ضرورة دعم وديعة رابين قائلاً:<< لا أستطيع القول بأي شيء أقل من ذلك. إن فعلت فالشخص الذي قدم لنا القهوة الآن قد يغتالني، وسيفعل>>.أرشيف القصر الجمهوري (صفة 248)

هاني سليمان رئيس لجنة المبادرة لكسر الحصار عن غزةوفي معرض تعليقها على شخصية الرئيس الأسد، تقول "مادلين اولبرايت" في مذكراتها " السيدة الوزيرة " إن الأرض هي قضية شرف لحافظ الأسد (صفحة 252). تعتقد الدكتورة  شعبان أن الإدارة الأميركية في عهد الرؤساء الثلاثة كارتر وكلينتون وبوش كانت صادقة وراغبة في إحلال السلام في الشرق الأوسط، لدرجة ان مادلين أولبرايت مع تعثر المفاوضات راحت تعتمد ما أسمته الدكتورة شعبان "دبلوماسية النساء"، في محاولة منها لحثها على العمل على تليين الموقف السوري.

"حين جلسنا لنتبادل حديثنا الانفرادي بدأت أولبرايت المحادثة بالقول: بثينة نحن في ورطة، وأنا بحاجة الى مساعدتك"(صفحة 250). كلام أولبرايت التي كانت تريد اختراقاً ولو اعلامياً في المحادثات، كان ناشئاً عن تعنت اسرائيلي يرفض الانسحاب من الجولان.

حمل الرئيس كلينتون تعهداً بانسحاب اسرائيل من 90% من الجولان، لأنه فشل في حملها على التعهد بالانسحاب الكامل. لكن الرئيس الأسد رد عليه بحدة قائلاً:<< إن كان بإمكان أي شخص أن يحصل على شيء لمجرد أنه يريده، فلن يسود سوى قانون الغاب>>.

حاول كلينتون تفسير عرضه طالباً من الرئيس الأسد أن "يفهمه" فقال الأسد:<< لا أفهم ولا أريد أن أفهم هذه ليست مهمتي، ولا أستطيع تنفيذ ذلك يا سيادة الرئيس، إن فعلتُ، فلن أبقي رئيساً أكثر من يومين>>.(صفحة 267)
 تحت عنوان كارثة شيبرد ستاون تتحدث الدكتورة شعبان قائلة:" حين وصل ايهود باراك إلى السلطة سنة 1999، أراد الرئيس كلنتون تحريك مباحثات السلام، لكن ايهود باراك اشترط للتخلي عن الجولان عقد صفقة مع أميركا، تعادل 23 مليار دولار تعويضاً عن الانسحاب من الجولان إضافة إلى مذكرة تفاهم ترفع مركز إسرائيل الى حليف استراتيجي للولايات المتحدة". (صفحة 238)

وتضيف الدكتورة شعبان: وعند التفكير في الماضي وبعد حوالي اربعة عشر عاماً يمكنني أن أقول، وأنا واثقة أن إسرائيل لم تكن مستعدة لاعطاء اي شيء في شيبرد ستاون، وبنظرة استرجاعية يمكنني من خلال خبرتي أن أضيف، أنه ما كان ينبغي لنا أن نتفاجأ بموقف ايهود باراك في غرب فرجينيا في ذلك الشتاء. ( صفحة 254)

" لقد غادر باراك غرب فرجينيا مدعياً انه باعتباره رئيس وزراء إسرائيل المنتخب حديثاً، لا يستطيع أن يبقى خارج البلاد أكثر من أسبوع، وغضب كلينتون منه غضباً شديداً كما هو معروف، وقبل أن يغادر الاسرائيليون شبردستاون قال كلينتون لباراك:<<  لقد كسبت من هذه الجولة ولكن جولة اخرى من هذا النوع ستكون كارثة فادحة لك ولي>>.(صفحة 255 أرشيف وزارة الخارجية السورية –ملف سبردستاون كانون الثاني 2000)

يتبدى من كل ذلك أن الادارة الأميركية - في ما لو صحت نواياها - كانت عاجزة عن الضغط على إسرائيل من أجل تقديم تنازل جوهري في المفاوضات، مما يجبرها على الإرتداد الى سوريا لممارسة ضغوطها المعروفة عليها لانتزاع التنازل الجوهري عن حقوقها، القائم على التطبيع والتبادل الدبلوماسي قبل الانسحاب الكامل، الأمر الذي رفضته سوريا.
في سنة 2008، تجددت المفاوضات السورية - الإسرائيلية بعد انقطاع دام ثماني سنوات كانت تركيا وسيطاً فيها. ان أبناء التيار القومي الرافض لأية مفاوضات في المبدأ، زانا منهم، كتبت مقالة في جريدة النهار تعليقاً على ذلك الحدث بعنوان "المفاوضات السورية الإسرائيلية وتأثيرها على لبنان – لماذا الاستعجال".

استهليت المقالة بالقول:  ما ان جرى الاعلان عن المفاوضات السورية الإسرائيلية حتى اعتبر البعض ان قطار السلام في المنطقة قد صفر صفرة الإنطلاق، وزعم البعض الآخر انه رأى دخان القطار يتشكل في الفضاء. حقيقة الأمور ليست كذلك، ففي اعتقادي ان السلام بعيد جداً وجداً، بسبب الاوضاع الخاصة بكل من سوريا وإسرائيل من جهة. وبسبب معطيات اقليمية ودولية غير ناضجة لإحلال السلام في المنطقة من جهة اخرى. انتهيت الى القول:هذه المفاوضات في نظري، ليست مفاوضات على شروط السلام، انما هي مفاوضات على المفاوضات.

استندت في ما قلته الى حقيقة ان الرئيس بشار السد قد استفاد من التجارب السابقة في المفاوضات. فوالده مات ولم يوقّع على حل ينتقص من سيادة سوريا والرئيس "بشار الاسد" بالتأكيد لن يفعل.ولعل تجربتي في اعتقالي الأول سنة 2009، والثاني سنة 2010، في عمليتي كسر الحصار عن غزّة، قد أكدت سؤالي الاستنكاري عن استعجال نتائج المفاوضات سنة 2008، حين قال لي الضابط المحقق - حين سألته عن طبيعة الصراع بيننا – قال: هذا صراع لن ينتهي بيننا إلا بحرب عالمية ثالثة.

خلاصة: من حق سوريا ان تسترجع الجولان، لكن لم يتبين في الكتاب أن الرئيس حافظ الأسد كانت تتملّكه أوهام السلام الحقيقي مع عدو حاربه عدة حروب، ودعم المقاومة التي أجبرت العدو على الانسحاب من أرضنا دون قيد أو شرط. وفي اعتقادي، ومع انسداد أفق السلام مع العدو الإسرائيلي، وحين حانت فرصة استفادة سوريا من تجربة لبنان في المقاومة، جاءت الأحداث التي وَعَدنا بها قادة الكيان الاسرائيلي بعد هزيمته في حرب تموز 2006 بتفجير أوضاعنا من الداخل، مستفيدين من هشاشة البنية السياسية والاجتماعية، ومن التناقضات التي تنخر مجتمعاتنا.