21-10-2019 12:53 AM بتوقيت القدس المحتلة

هيو وِلفُرد: «لعبة» واشنطن في المشرق

هيو وِلفُرد: «لعبة» واشنطن في المشرق

يشرح الكتاب على نحو وافٍ السياسات الغربية الاستعمارية تجاه المشرق من وصول الإرساليات ومحاولة إقناع أهل البلاد باعتناق المسيحية البروتستانتية، إلى تبني التداخل الثقافي والفكري بدلاً من ذلك

هيو وِلفُرد: لعبة أميركا الكبرى: مستشرقو وكالة الاستخبارات المركزية السريون وتشكيل الشرق الأوسط الحديث.

Hugh Wilford, America’s Great Game: The CIA’s
Secret Arabists and the Shaping of the Modern Middle East. Basic Books, New York 2013. 342 pp.

هذا اختياري الثاني للعرض بالعلاقة مع تاريخ تدخل واشنطن في شؤون سوريا وبلاد عربية أخرى، ومحاولتها التأثير في سياساتها وكسب ود معارضيها أو إسقاطهم إن أخفقت. قبل عرض محتوى المؤلَّف ملخصاً، من منظوري الشخصي، كلمة سريعة عن العنوان.

زياد منى/ جريدة الأخبار

هيو وِلفُرد: «لعبة» واشنطن في المشرقمع أن هذا الكتاب، المهم للغاية والمثير في آن واحد، صدر قبل عامين، إلا أنني لم أعره اهتماماً إلا أخيراً وبمحض الصدفة. فعنوان الكتاب، إضافة إلى صورة الغلاف غير الموفقة، لم يعكسا محتواه. كذلك إن استعمال المصطلح (Arabists) يعني في ذهن المتلقي المستشرقين الأكاديميين، وقد آثرت ترجمته إلى (مستشرقين) بدلاً من مستعربي، ذلك أن الأخير كثيراً ما استعمل أخيراً للإشارة إلى إحدى قوات العدو الصهيوني الخاصة. المعضلة الثانية تتعلق بعنوان المؤلف، وبالمفردة (Game) التي اخترت ترجمتها إلى (لعبة). المفردة الإنكليزية لها معانٍ عديدة، منها (مكان الصيد).

العنوان يشير، ضمناً، إلى أصل المصطلح الإنكليزي (the Great Game) حيث أطلقته لندن على أوراسيا إبان صراعها مع روسيا القيصرية للهيمنة على المنطقة و«صيد» صداقات لها في الإقليم. وبالمناسبة، عمدت لندن، في خضم صراعها ذاك إلى إقامة دولة عازلة هي أفغانستان، أسستها من دون أي خلفية ومرجعية تاريخية أو «إثنية»، أي دولة وظيفية فحسب.

لقد صدرت كتب عديدة، مهمة عن انغماس واشنطن في المشرق العربي وإقحام نفسها في سياسات المنطقة، من منطلق ليس معلناً، هو الهيمنة على العالم. فحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يكن لواشنطن أي سياسة خارجية متماسكة، على ما نقرؤه في الوثائق، وتركت الأمر للندن ذات التقليد الاستعماري الطويل لصياغة الأولويات، على أن تتكفل هي بالتنفيذ.

هذا الكتاب الذي يعتمد الوثائق ذات العلاقة التي رفعت عنها صفة السرية، وعلى مراجع ومقابلات كثيرة، يتابع ولادة سياسة واشنطن تجاه دول المشرق العربي عبر مرافقة حيوات ثلاثة من الذين قادوا صياغتها في وكالة الاستخبارات المركزية، هم كيرمت روزفلت حفيد الرئيس الأميركي السابق، وابن عمه أرتشيبلد روزفلت، وأخيراً مايك كوبلاند الذي عرفه جيل الستينيات من القراء العرب عبر كتابيه المثيرين «لعبة الأمم»، و«اللاعب واللعبة». هذا القسم المفصل يشرح على نحو وافٍ السياسات الغربية الاستعمارية تجاه المشرق من وصول الإرساليات ومحاولة إقناع أهل البلاد باعتناق المسيحية البروتستانتية، إلى تبني التداخل الثقافي والفكري بدلاً من ذلك، وقبول الفكر القومي العربي الذي انتشر بعد الحرب العالمية الأولى وتقاسم بلاد الشام بين بريطانية وفرنسا.

المؤلِّف يبدأ عرض تفاصيل التدخلات بالمرحلة التمهيدية، أي الواقعة بين عامي 1916 و1947. الجزء الثاني (1947-1949) خصصه المؤلف للحديث في التدخل الأميركي في سوريا تحديداً وخفايا دعم انقلاب حسني الزعيم. الجزء الثالث، وهو الأكبر، خصصه الكاتب، وهو أستاذ تاريخ الاستخبارات في جامعة ولاية كاليفورنيا، يتعامل مع المادة في المرحلة الأكثر حيوية، وبالتالي اضطراباً، في المنطقة والممتدة من عام 1949 إلى 1956.

هنا تتضح سياسات واشنطن مع الأنظمة الشرقأوسطية الحليفة، في بغداد وعمان والرياض وأنقرة، إضافة إلى «شهر عسل» قصير في علاقاتها مع مصر بعد الانقلاب الثوري عام 1952 ذي الميول الغربية، وتطور نظرتها إلى فكرة القومية العربية التي أطلقتها القوى القومية في سوريا، وتبناها الرئيس جمال عبد الناصر في مرحلة لاحقة، مع وجود رأي بأنه كان يحاول «تمصير» العرب وليس «تعريب» المصريين. دراسة هذه الفترة على نحو مفصل مهمة لأنها كانت العامل الحاسم في صياغة سياسات واشنطن الاستعمارية المستترة، ومن ذلك الدعم الخفي أولاً ومن ثم العلني للكيان الصهيوني ومؤامرة تدبير الانقلاب على الزعيم الإيراني محمد مصدق، الذي قاده كيرمت روزفلت شخصياً.

الارساليات التبشيرية في لبنانكذلك يتعرض هذا القسم، بالتفاصيل الموثقة، لاتصالات واشنطن مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ومحاولة إقامة أفضل العلاقات معه والانحياز إلى فكرة القومية العربية والأنظمة «التقدمية» على حساب دعمها الأنظمة «الرجعية»، ومن ذلك موقفها المثير من أزمة الكويت حين هدد الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم باحتلالها.

الجزء الرابع والأخير (1956-1958) يستعرض إخفاق سياسات واشنطن وحليفاتها الغربية، ومؤامراتها على المنطقة، من دراسة عمليات عديدة لاغتيال الرئيس جمال عبد الناصر، إلى التدخل المباشر في سورية للقضاء على القوى القومية الوحدوية واليسارية التي أسست علاقات تاريخية مع الاتحاد السوفياتي قبل كسر «احتكار السلاح»... إلخ.

من الأمور المهمة الإشارة إليها أن واشنطن اختارت تأسيس علاقاتها بالمنطقة عبر مجموعة أكاديميين مستشرقين يعرفون المنطقة، أو ربما هكذا خيِّل إليهم. هدف واشنطن لم يكن يوماً دعم تطلعات شعوب المنطقة للتحرر والتقدم، كما كانت تعلن، وإنما إجبار دول المنطقة على تنفيذ سياسات الهيمنة الأميركية على المنطقة، ما عنى بالضرورة صدامها مع الحركات القومية العربية. في الوقت نفسه، ورغم تغير سياسات واشنطن تجاه بعض أنظمة المنطقة، إلا أن عاملاً واحداً بقي ثابتاً، هو دعم كيان العدو الصهيوني ووضع الاعتراف به والصلح معه، لكن بعد توقيع اتفاقات الهدنة في أعلى أولوياتها.

فهذا على سبيل المثال ما دفع واشنطن إلى دعم انقلاب حسني الزعيم الذي دخل في مفاوضات الهدنة ووافق على الصلح مع العدو الصهيوني وتوطين المهجرين الفلسطينيين في سوريا. المؤلف يظهر أيضاً عمليات وكالة الاستخبارات الأميركية للتأثير في سياسات واشنطن بخصوص الإقليم والعرب عبر طرق عديدة، ومنها على سبيل تأسيس منظمات أميركية متفهمة للعرب ومعادية للصهيونية منها (The American Friends of The Middle East)، التي ضمت شخصيات يهودية مهمة.

يسرد العلاقة بين الأطراف المتصارعة على المنطقة منها لندن وباريس

أصدقاء العرب في الإدارة الأميركية كانوا يقترحون سياسة مفيدة لواشنطن أولاً وقبل كل شيء. فتعاطف أولئك «المستشرقين» مع القضايا العربية كان نابعاً ليس فقط من قناعاتهم وخلفياتهم الثقافية، بل أيضاً من حرصهم على مصلحة واشنطن ونفوذها في المنطقة. فكيم روزفلت، مدير محطة «وكالة الاستخبارات المركزية» في القاهرة، الذي كان شديد الحماسة للرئيس جمال عبد الناصر وأقام علاقات شخصية حميمة معه، إلى حد تقديمها «رشوة» له مقدارها مليونا دولار خصصها الرئيس الراحل لبناء برج القاهرة، كان هو نفسه رئيس تنفيذ الانقلاب على الزعيم الوطني الإيراني محمد مصدق. وعندما تغيرت سياسات واشنطن تجاه عبد الناصر، كان هو من عمل على تنفيذها. وابن عمه المستشرق، مدير «محطة وكالة الاستخبارات المركزية» في بيروت، كان أيضاً من حاول إقناع واشنطن بضرورة تبني التطلعات العربية القومية والتقدمية، لإبعادها عن موسكو، هو نفسه من حاك المؤامرة تلو الأخرى ضد سوريا وحاول زعزعة أمنها وتدبير الانقلابات الرجعية فيها، إضافة لتأييد التدخل الأميركي في لبنان لدعم الرئيس كميل شمعون ودعمه بثمانية ملايين دولار لابتياع أصوات الناخبين في لبنان، وهم جميعاً من وقفوا، بعد تغير أولويات واشنطن، إلى جانب التدخل المباشر ضد الانقلاب الثوري في العراق... إلخ.

الكتاب، إضافة إلى ما سبق، دراسة للمجتمع الأميركي، عبر متابعة حيوات المستشرقين المغامرين الثلاثة. اهتماماتهم الثقافية، كما يوردها المؤلَّف المكتوب بلغة سلسة سهلة، تعكس الثقافة السائدة حينئذ في تلك البلاد.

المؤلف يكتسب أهمية إضافية لأنه يسرد العلاقة التي كانت قائمة بين مختلف الأطراف المنغمسة في الصراع على المنطقة، وفي المقدمة منها واشنطن ولندن وباريس، ويذكر جوانب اتفاقها وتنسيقها في ما بينها، إضافة إلى الصراعات بين مختلف أجهزتها المختلفة، وكذلك الصراعات التي دارت بين مكونات الإدارات، ونعني الرئاسة ووزارات الخارجية والدفاع وأجهزة المخابرات. ويضم الكتاب أيضاً معلومات مهمة عن تطور العلاقات بين كل من سوريا ومصر من جانب، وموسكو من جانب آخر وأسباب نموها. ولا يغفل الكاتب الحديث في المسائل الداخلية الحاسمة في كل من سوريا ومصر، ومن ذلك مختلف محاولات الانقلابات في الأولى ومؤامرات الاغتيال في كليهما.

أهمية العمل للقراء وأهل الاختصاص في الغرب، كبيرة، لذا نجد أنه لا يزال يثير تعليقات عديدة وأن الاهتمام به لم يضعف حيث يُعَدّ، عن حق، عملاً مرجعياً لا زمني.

نقطة، لا شك لدينا في أن قارئ صحيفة «الأخبار» الذكي، لا تغيب عنه. فرغم أن مصدر أهمية الكتاب اعتماده على نحو رئيسي على الوثائق الرسمية التي رفعت درجة السرية عنها، تبقى الوثائق الرسمية التي ما زالت سرية أهم بما لا يقاس من سابقاتها. لذا وجب توخي الحذر في كيفية تقويم كل وثيقة. فالمؤلَّف الذي يحوي كثيراً من المعلومات التي لم يسبق نشرها من قبل، وبعضها صادم حقاً قد يجبرنا على إعادة النظر في ما نعده مسلمات عديدة.