21-05-2019 03:31 AM بتوقيت القدس المحتلة

بين "أرثوذكسية السلاجقة" و "سلفية ابن تيميه" علي الديري يستنطق التاريخ

بين

"وجوهنا مسروقة ومشوّهة وقاسية وقبيحة بسبب هذا الوحش. لن تجدي معنا عمليات التجميل ولن تتمكن شركات العلاقات العامة مهما ملكت من أساطين الإعلام من تحسين صورة وجوهنا الكالحة، لا بد من قتل الوحش وتفكيك اداواته.."

"وجوهنا مسروقة ومشوّهة وقاسية وقبيحة بسبب هذا الوحش. لن تجدي معنا عمليات التجميل والترقيع، ولن تتمكن شركات العلاقات العامة مهما ملكت من أساطين الإعلام وأساطيره، من تحسين صورة وجوهنا الكالحة، لا بد من قتل الوحش وتفكيك اداوته الفتاكة بنا".

*زينب الطحان

هنا في هذا المقطع يسّوغ علي احمد الديري سبب تأليفه كتاب "نصوص متوحشة : التكفير من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيميه"، ليأتي رداً حضارياً يكشف معه الوجه الحقيقي لمنابع هذه النصوص المتوحشة، التي يدور الجدل حولها بين قائل بأن في الدين جذوراً تؤسس لتفاعلية منطق القتل وإلغاء الأخر وبين مقتنع أخر يقول بأن النص الديني جُيّر في خدمة السلطة السياسية الحاكمة.

وتعبير الكاتب "لا بد من قتل الوحش وتفكيك أدواته الفتاكة بنا "، يحمل في طيّاته رسالة نشر الكلمة الصادقة في قول الحقيقة التي تزيح السردية التي يحتمي خلفها هذا الوحش ومن ثم يعمل على تفكيكها نحو إزالتها من الانتساب للنص الديني. واعتقد أن هذه مهمة صعبة للغاية وشاقة، لأنها تتطلب من الباحث في هذا المضمار التوغل في بطون كتب التراث الإسلامي واستنباطها مجدداً في لغة معاصرة تتوافق والسياق المعرفي الراهن.

فمنذ بدء إعلان الظاهرة "السلفية المتوحشة" عن وجودها في بلادنا ومع بدء الحرب وما تجرّه من فوضى مدّمرة لتاريخنا كتبت العشرات من المقالات الصحفية تبحث في الجذور الدينية لهذه الظاهرة وتؤسس عليها أحكامها. كما بدأت تنتشر الدراسات البحثية محاولة الغوص في كتب التأويل لمفهومي التكفير والإيمان الأبرز اللذين يشَكلان العامود الأساسي لقيام هذه الحركات وبهما تعتمد على امتداد وجودها الجغرافي والتركيبي في بينة المجتمع العربي والإسلامي.

غير أن كتاب "نصوص متوحشة : التكفير من أرثوذكسية السلاجقة إلى سلفية ابن تيميه"، يقدم معرفة من نوع أخر، تشرح بجدارة توثيقية فيها بنية تحليلية كيف تمّ تفسير السياق التاريخي والسياسي الذي مكّن نصوص التوحش من أن يكون لها شرعيتها الدينية ومكّنها من تثبيت أطروحاتها ضمن الحس الإسلامي العام، كيف صار التكفير موضوعاً سياسياً يشرعنّه الفقهاء (رجل الملة) ضمن اجهزة الخلافة الإسلامية (رجل الدولة).

وهو قد يفاجئ تيارا كبيرا من مثقفي العرب الذين يتغّنون بأحد كبار الفلاسفة الذي حفر عميقا في التصورات الإسلامية بأنه من أوائل العاملين على صياغة خطاب التكفير في ثقافتنا الإسلامية في كتابه "فضائح الباطنية" قبل ابن تيميه الذي يردّ إليه الباحثون أصولية الفكر التكفيري في الإسلام. وهذا الفيلسوف هو أبو حامد الغزالي، الذي درسناه في المرحلة الثانوية في لبنان على سبيل المثال على أنه من الفلاسفة المتنورين في التاريخ الإسلامي.

الكتاب يكشف النقاب عن المخبوء في كتب التاريخ ليتبيّن أن هذا الفيلسوف الفذ كان ينفّذ خطة نظام الملك السلجوقي في إسكات الصوت الآخر من المذاهب الإسلامية بل وقمعها وتوسيمها بالكفر والالحاد وإخراجها من بيت الإسلام لأنها بكل بساطة ليست على مذهب الملك وحاشيته.

وكان الملفت أن نعرف أن الغزالي كان ينعت مواقف الخليفة المستبد بالمواقف المقدسة النبوية الإمامية المستظهرية لإضفاء القداسة على مواقف المستظهر بالله. والأبرز في كتاب الغزالي الذي ذكرناه هو الباب الثامن الذي يدعي فيه الكشف عن فتوى الشرع في حقهم من التكفير وسفك الدم. ومن هنا يظهر بوضوح كيف صيغ دفاع سياسي عقائدي عن الخليفة العباسي ضد خصومه السياسيين الذين شملهم الغزالي باسم الباطنية.

أما في مرحلة ابن تيميه، والتي تعدّ الحلقة الوسطى بين ابن حنبل ومؤسس المذهب الوهابي محمد ابن عبد الوهاب(1703) شكلت المحضن التأسيسي والتاريخي للتيار السلفي، وفي كل حلقة كان هذا التيار يتجه نحو المزيد من التأصيل والتشدد. ولم تكن مصادفة أن يتزامن ذلك دائماً مع تحديات حضارية كبرى. والسلفية المعاصرة اليوم كحلقة راهنة تطلق موجة دفاع عن العقيدة لا تختلف في دوافعها عن سلفيات الأمس، وإن اختلفت في الوسائل والأساليب وبعض الاجتهادات.

ولم يكن ابن تيميه موظفاً داخل بلاط السلطة على غرار الغزالي كما يقول الكاتب، مع ذلك فإن نص ابن تيميه يتقاطع مع نص السلطة والقوة، وهذا التقاطع أدى دورا كبيرا في صناعة نصوص توحش وواقع متوحش أيضا، ففتاويه أدت دورا فظيعا في إحداث المجازر الدينية واستمرت حتى اليوم، إذ إن نصه لا يزال فاعلا ومستخدما من الجماعات التكفيرية إلى الان، في سياق تاريخي اوصلتنا إليه حركة محمد عبد الوهاب الذي اعاد إحياء تراث ابن تيميه مساهما أبعد إساهم في تأسيس الدولة السعودية الأولى بعد ميثاق الدرعية في العام 1745 بين رجل ملة ورجل الدولة محمد ابن سعود، وصولا إلى لحظتنا الراهنة التي لا تزال السعودية فيها تغذي النص الديني المتوحش في فتاوى يصدرها مشايخ السلطة وفي اعمال توحشية تنفذها الجماعات التكفيرية.

كتاب الأخ العزيز علي الديري يستحق القراءة والتوقف مليا عند ما يقدمه من رؤية تحليلية ففيه تجلٍ لكثير من القضايا المعقدة المتعلقة بظاهرة التكفير ومدى ارتباطها بالنص الديني.

* مداخلة ألقيت في حفل توقيع كتاب الدكتور علي الديري