23-03-2019 04:47 PM بتوقيت القدس المحتلة

إطلالة «السيّد»: كلّ مرّة كأنّها المرّة الأولى

إطلالة «السيّد»: كلّ مرّة كأنّها المرّة الأولى

وقفت الجماهير تنظر إلى «سيّدها» نظرة عشق. ألقى عليهم التحية، فالكلمة، ثم ودّعهم مردّدين سوياً، كمايسترو يقود فرقة موسيقية: تلبية النداء والسلام على الحسين.

منذ انتهاء حرب تموز 2006، ندرت إطلالات السيّد حسن نصر الله الشخصية. وصارت كلّ إطلالة له تصنع خبراً وتستدعي تعليقات وتحليلات، تماماً كما خطاباته. مع عاشوراء هذا العام، بات يمكن إحصاء 13 إطلالة شخصية لقائد المقاومة، مسجّلاً لدى محبيه حضوراً في مساحات غير معلنة بين الذاكرة والذاكرة.

هادي أحمد/ جريدة الأخبار

إطلالة «السيّد»: كلّ مرّة كأنّها المرّة الأولى«السيّد» في ملعب الراية أمامهم، لا من خلف شاشة. بحثت الجموع القريبة من المسرح عن الزاوية التي سيخرج منها الأمين العام لـ«حزب الله» ماشياً حتى الوصول إلى المنبر. قلّة كانت قد انتبهت إلى هذ الغرفة التي بنيت فوق المنصة، فثبّتوا عيونهم على نافذة معلّقة بين الأرض والسماء، موصدة بستار حديدي أسود رُفع شيئاً فشيئاً، وظهر القائد.

«النافذة نافذة قلبي»، عبَّر أحد الناظرين إليه. بدا كمن التقط كلماته في حلم، إذ إنه لم يكن يتخيّل أن يكون قريباً من قائده إلى هذه الدرجة.

انفلشت، ثم ضاقت، المساحة بالناس نظراً إلى التدافع. فالجميع يريدون الاقتراب أكثر فأكثر، كمن يجهد للعبور ولو فوق أجساد الآخرين، رغم أن المنبر فوق المنصة الأساسية، ما وفّر على المعنيين بالتنظيم والأمن جهداً كبيراً في دفع الناس دون التقدّم.

وقفت الجماهير تنظر إلى «سيّدها» نظرة عشق. بخلت رموش العين في التصفيق، بعدما كانت مغلقة كستائر من حدّة الشمس. ألقى عليهم التحية، فالكلمة، ثم ودّعهم مردّدين سوياً، كمايسترو يقود فرقة موسيقية: تلبية النداء والسلام على الحسين.

هذا المشهد احتضنته الضاحية الجنوبية لبيروت أول من أمس، في مسيرة العاشر من محرم، التي ينظّمها «حزب الله» سنوياً. وسنوياً، منذ انتهاء حرب تموز 2006، ينتظر المشاركون في هذه المسيرة حضور السيّد شخصياً معهم. قد يأتي، وقد يطلّ عبر شاشة. في إطلالاته أول من أمس، أمكن إحصاء الحضور الشخصي الثالث عشر لقائد المقاومة منذ حرب تموز.

الإطلالة الأولى كانت في مهرجان الانتصار في أيلول/سبتمبر عام 2006. عندما أطلّ، انهمرت دموع الكثيرين غير مصدّقة، فيما أطلق هو تحيته الشهيرة: «السلام عليكم يا أشرف الناس، وأطهر الناس، وأكرم الناس».

بعد نحو عامين، أطلّ السيّد شخصياً في كانون الثاني/يناير عام 2008، في ذكرى عاشوراء. يومها، خرج ومشى في الشارع بين مرافقيه الذين شكلوا دروعاً بشرية تحيط به. لوّح السيّد لمحبيه الذين أحاطوا بمرافقيه بيديه أن يتقدموا كي يصل إلى المنبر. يتقدّم وتحتضنه الناس، هو بين ذراعهم، وهم بداخله. كانت هذه إحدى المرات الأكثر رهبةً. بعد سنتين غاب عن الحضور المباشر، خرج إلى العلن. مرّ قطار الوقت داهساً ذاكرة الوقت، والزمن غفلة. «لا يهم، المهم أنه الآن بيننا». أيادٍ مرفوعة تحجب بعضاً من صور الكاميرات التي تواكب تنقله بين الحشود نحو المنصة.

السيد حين ظهوره على الأرض مع الناس في مأتم عاشوراء ستة أشهر مرّت، اشتاقت خلالها الناس للسيّد، لكنها لم تكن تتوقع إطلالته في تموز/يوليو 2008 إثر عملية تبادل الأسرى. ضحك جمهور المقاومة لعبارة السيّد مخاطباً الأسير المحرّر سمير القنطار «لوين رايح؟ عملنا الحرب كرمالك».ومنذ عام 2011، بات يطلّ سنوياً في مسيرة عاشوراء، فرأيناه في أعوام 2012 و2013 و2014، وأول من أمس. وكان قد أطلّ ليلة العاشر، في تشرين الثاني عام 2014.

«لا يتعب السيد من إدهاشنا ولا نتعب من أن ننبهر به»

تاريخ يتذكّره المصوّرون جيداً، إذ توجّه إليهم السيدّ بالقول نتيجة الضجة التي أثاروها، «إنتو اللي هون، إذا ما بتهدوا، بدي فلّ».بعيداً عن عاشوراء، أطلّ السيّد في مسيرة الوفاء للنبي محمد في تموز 2012، وخلال إحياء مراسم يوم القدس العالمي عامي 2013 و2014.

كلّ هذه الإطلالات كانت تحظى باهتمام من المحبّ والعدوّ، وتثير تعليقات لدى الطرفين. وكان الإعلام الإسرائيلي يخرج دوماً بنظريات تحاول أن تفسّر هذه الإطلالات وأبعادها. فركّز مراراً على فكرة خروجه وتحديه هدير الطائرات، وحاول أن يكتشف إجراءات الحماية الخاصة به. ولفتت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية إلى تفاعل الجمهور التلقائي والعفوي من خلال ترديد الهتافات سوياً وبحماسة مرتفعة. وربما كانت أطرف التحليلات، ما قيل عن الوقت الذي تستغرقه إطلالات السيّد، والذي يراوح بين 12 إلى 17 دقيقة. إذ نقلت بعض وسائل الإعلام اللبنانية أن التزام هذه الدقائق الـ 17 سببه الحسابات التي تقول إن الطيران الإسرائيلي يحتاج إلى 21 دقيقة كي يصل إلى بيروت، وهذا ما نفاه السيّد نصر الله في مقابلته مع «الأخبار» في 14 آب 2014.

في ظهوره قبل الأخير، مساء الجمعة الفائت، دخل السيّد إلى المجمع وألقى خطاباً طويلاً، فأورد الإسرائيلي الذي نقل مباشرة الظهور العلني للسيّد: «هذه المرة كان خطاباً كاملاً وليس كظهور سابق، لبضع دقائق فقط».

في هذ الليلة من عاشوراء، حضر السيّد كما توقع كثيرون في مجمع سيّد الشهداء. وأعدوّا انفسهم للمفاجأة. وفي اختبارٍ للصبر يرسب معظم الحاضرين فيه، تبدأ صيحات التلبية شوقاً، قبل أن ينهي الشاعر علي عباس ختم تقديمه السيّد. لا يسمع صوته في نهاية كلماته، بل صيحات تلبية متوازية مع موجات اندفاع للأمام، هي الأعلى. يصعب الجلوس بلا حراك، فالسيّد بات قريباً. من إحدى زوايا منصة المجمّع يخرج مع مرافقيه نحو المنبر. وكما في ملعب الراية، تدافع محبو السيد للاقتراب. يصطدمون برجال الحماية والصفوف الأولى، لكنّهم يعيدون الاقتراب. تشعر الصفوف الأولى بأنها معنية بأمن السيد، وتساند رجال الحماية على الوقوف سدّاً بينهم وبين المنصة.

السيد بعد تحرير الأسرى ومنهم سمير القنطاريحتويهم السيد بعينيه، ثم يطالبهم بعد شكرهم، بالسكينة، كي يبدأ الخطاب. يهدأون، فترتفع أصوات مواكب اللطم ــــ نحو 500 شخص ــــ الواقفة تحت المنبر مباشرة. أحبوا تقديم تحية خاصة للسيّد، فردّدوا بلحن عاشورائي قصيدة تعنيه مباشرةً، جدّدوا فيها البيعة والولاء. فهو حسينهم. لم يتوقع أحد من مسؤولي «أحيوا أمرنا»، الهيئة التي نظمت المواكب والنداء، أن يكون هؤلاء في الصف الأمامي الملاصق للمنصة، لكن شكلهم المنظم واللباس الموحد الذي يتشكل من أكفان عسكرية، هو ما لفت نظر المعنيين، وسمح بأن يكونوا أقرب للقائد.

لم يبدِ السيّد أي ردّ فعل، وهذه عادته حينما يلقى تمجيداً، في أحسن الأحوال متواضعاً يقول «ممنون» مع ابتسامة خجولة. طوال دقيقتين ركز سمعه ونظره عليهم وعلى الصور الصغيرة التي يحملونها. هذا يكفيهم، على حد قول أحد المشاركين، إن السيّد، رغم وقته الضيق وخطر حضوره المباشر، استمع إلى نداء عشقهم.

لم يدرك كل الناس كل كلمات القصيدة، نظراً إلى تلاوتها دون ميكروفون وارتفاع علو المجمع، ما يشتت الصوت أكثر، لكنها شاركتهم الحركة التي لازمت القصيدة، رفع الأيادي والقبضات.يحتويهم بعينيه، والسماء تراقب القبضات المرفوعة. يفكر أحدهم في الهروب والصعود الى المسرح. يفكر مرتين، ويمكن الجزم بذلك، يغيّر رأيه رغم شغفه به، إذ إنه يخاف عليه مثل رجال أمنه.«لا يتعب من إدهاشنا ولا نتعب من أن ننبهر»، قال أحد الحاضرين. ننتظر، دائماً نحن الموهوبين في الحب، إطلالته بيننا.

أول من أمس رحل الجميع. غفا الملعب كما غفا المجمّع قبله بليلة. والجماهير كما القائد، اختفت مع انتهاء مراسم المسيرة، ليخلّف فراغاً مؤقتاً في عيونهم، لا في قلوبهم. سيعود ويملأها، دائماً، كما لو أنها أول مرة.