25-05-2019 05:56 PM بتوقيت القدس المحتلة

#آل_سعود والدور الوظيفي

#آل_سعود والدور الوظيفي

يلاحظ المتتبّع لسيرة آل سعود منذ ظهورهم المفاجئ في شبه الجزيرة العربية وسيطرتهم على الحكم في نجد والحجاز، أنهم اعتمدوا التفريق بين القبائل

طلال ياسر

يلاحظ المتتبّع لسيرة آل سعود منذ ظهورهم المفاجئ في شبه الجزيرة العربية وسيطرتهم على الحكم في نجد والحجاز، أنهم اعتمدوا التفريق بين القبائل بداية للسيطرة على الحكم في تلك المنطقة على مبدأ "فرّق تسُد".

وهذا المبدأ الذي تبنّاه آل سعود في الوصول إلى مآربهم ظهر بشكل واضح عندما تبنّوا الفكر الوهابي الذي صمّم خصيصاً من الاستخبارات البريطانية لشرذمة العالم الإسلامي وتشويه صورته، واختزال الإسلام دين التسامح والمحبة بمجموعة من الممارسات التي تعود إلى قرون الظلام والجهل، حيث الطقوس التي تقيّد الحريات بدلاً من إطلاقها وتغرق الإنسان في تخلّف مقيت.

وهنا لن نتشعّب كثيراً في الحديث عن هذا الأمر، ولكننا نودّ التركيز قليلاً على أولى الممارسات التي مارسها آل سعود بناء على الفكر الوهابي الذي تسلّقوه، وهي تكفير كل المذاهب التي كانت سائدة في نجد والحجاز وخاصة المذهبين المالكي والشافعي في المنطقة الغربية، حيث قام آل سعود بقتل كل من خالفهم من أتباع هذه المذاهب، ما اضطرهم إما إلى الانصياع للفكر الوهابي التكفيري وإما إلى الهروب من بطش آل سعود إلى كل من مصر وسورية اللتين تتمتعان بحرية دينية تتيح لهم ممارسة شعائرهم الدينية دون بطش السلطات.

وطبعاً راح آل سعود يستخدمون الوهابية سيفاً مسلطاً على رأس كل من خالفهم من القبائل في الداخل، وهذا بالضبط ما قاموا بفعله مع الدول العربية المجاورة وهو محاولة فرض فكرهم التكفيري عليها، فنجحوا في ذلك إلى حدّ ما في دول الخليج التي يشترك سكانها مع سكان نجد والحجاز بالطبيعة ذاتها المنغلقة على الفكر الإسلامي المتنوّر الموجود في الحواضر العربية الشهيرة دمشق وبغداد والقاهرة، التي انتشر منها الإسلام السمح إلى سائر بلاد العالم، وكانت مراكز إشعاع حضارية ودينية للمسلمين جميعاً عبر قرون طويلة من الزمن، حيث اتصلت فيها الإنجازات الحضارية للمسلمين دون انقطاع، ومثّلت التطوّر الطبيعي للفكر الإسلامي المعتدل.  

أما دول الخليج التي تشترك مع سكان نجد واليمامة بانقطاعها عن تطوّر الفكر الإسلامي فوجدت ضالّتها في أول متنطّع باسم الدين ظهر في تلك المناطق وهو محمد بن عبد الوهاب ومن بعده آل سعود الذين عَرفوا بإيعاز من أصلهم اليهودي كيف يستخدمون الدين في شرذمة العالم الإسلامي وبث الفتن في داخله، واللعب على أوتار الاختلافات بين المذاهب الإسلامية وخلق فجوة بينها عبر الإيحاء بأن كل هذه المذاهب قد ابتعدت عن الدين الإسلامي الحنيف، وأن الوهابية هي التي تمثّل الإسلام الحق الذي انتشرت فيه البدع من خلال أتباع المذاهب الأخرى، فعملوا على تكفير سائر المذاهب التي اضطرّ أتباعها بدافع من فوبيا التكفير التي تمارس ضدّهم لاتباع هذا الفكر الوهابي التكفيري، ثم إذا استقام لهم الأمر انحرفوا باتجاه المذاهب الأخرى الموجودة في المنطقة لإحداث فتنة كبرى في العالم الإسلامي، وهذا ما عمل عليه آل سعود بشكل واضح منذ اندلاع الحرب العراقية الإيرانية بداية ثمانينيات القرن الماضي، بتحريض كبير منهم لأحد طرفي الحرب "العراقي" الذي جعلوه آنذاك ممثلاً للسنة في تلك الحرب، وبالتالي تصبح إيران تلقائياً ممثلة للشيعة فيها، إلا أن الأمر لم يستقم لهم كما أرادوا لأن الحرب توقفت قبل أن تنضج النتائج التي توخاها آل سعود منها، فلم يتوقفوا عند ذلك الأمر بل راحوا يفسّرون كل النداءات التي تخرج من إيران الإسلامية لنصرة القدس مثلاً على أنها دعوة لنشر التشيّع في العالم العربي، وكأن التشيّع سلعة يتمّ تسويقها، وكل ذلك طبعاً في محاولة لحرف انتباه المسلمين جميعاً عن العدو الظاهر الذي يتربّص بهم وهو العدوّ الصهيوني، واستبداله بعدوّ آخر من المجتمع الإسلامي نفسه وهو إيران، بما يحقق الدور الوظيفي الأساسي الذي جاء من أجله آل سعود لحكم هذه المنطقة من العالم التي تتمتع بقدسية خاصة لدى المسلمين لأن فيها الحرمين الشريفين المكي والمدني.

ومن هنا نلاحظ جليّاً كيف يمتطي آل سعود مطيّة الدين للادّعاء أنهم حماة السنّة في العالم الإسلامي، بدعوى أنهم يقومون بخدمة الحرمين الشريفين، والحقيقة أن ذلك هو مجرّد غطاء للتغطية على دورهم الأساسي المتمثل بتدمير السنّة في العالم الإسلامي والوصول من خلال ذلك إلى تدمير الإسلام من الداخل وتصويره أمام العالم على أنه دين متوحّش لا يؤمن إلا بالقتل وسفك الدماء وهتك الأعراض. وهذا طبعاً ما تقوم به الحركات المتطرّفة المحسوبة على الإسلام التي تستقي وحشيتها وهمجيّتها من الفكر الوهابي المتصهين الذي أشدّ ما يكون قرباً إلى تعاليم التلمود في التعامل مع سائر الأديان، ما يؤكد في النتيجة أن من تبنّى هذا الفكر منذ البداية إنما كان يهدف إلى تشويه الدين الإسلامي وإظهاره على أنه دين همجي لا يستحق التقدير، وبالتالي يصبح أتباع هذا الدين الذين يقتتلون فيما بينهم تلقائياً مجموعة من الرعاع لا يستحقون الاحترام، ولا يجب النظر إليهم على أنهم أصحاب حقوق يجب أن تُقضى إليهم، فتسقط من حساب العالم أحقية مطالبة العرب والمسلمين بتحرير الأراضي المقدسة في فلسطين، وهو بالذات الهدف الذي ترمي إليه "إسرائيل" ولكن الأداة هنا يجب أن تكون عربية، وهو ما يومّن تحقيق الهدف بشكل أسرع.

لذلك ينبغي التنبّه إلى أن المقصود أصلاً من دسّ هذا الفكر الدخيل "الوهابي" في العالم الإسلامي، هو إشاعة الاختلاف والتناحر بين المذاهب الإسلامية الموجودة، وصولاً إلى إحداث فتنة إسلامية- إسلامية، تؤدّي بالنتيجة إلى تمزيق العالم الإسلامي وشرذمته خدمة للهدف الصهيوني الأساسي في إقامة دولة "إسرائيل" اليهودية من الفرات إلى النيل، وهو بالضبط ما يُعمل الآن على تحقيقه بعد إدخال دول الجوار "الطوق" في حروب داخلية مع الجماعات الوهابية التي هي في الأساس أداة الصهيونية العالمية للوصول إلى هذا الهدف والسيطرة على المنطقة والعالم.

 
موقع المنار غير مسؤول عن النص وهو يعبّر عن وجهة نظر كاتبه