23-02-2018 10:05 PM بتوقيت القدس المحتلة

الشيخ دعموش : المسيحية والإسلام يملكان المبادئ الإنسانية نفسها

الشيخ دعموش : المسيحية والإسلام يملكان المبادئ الإنسانية نفسها

ومن أبرز العبادات المشتركة بين الإسلام والمسيحية الصوم والصلاة والزكاة, فإن هذه العبادات ليست خاصة بالإسلام وإنما كان للأنبياء والرسل صلاة وصيام وزكاة وأحكام تتعلق بذلك قبل الإسلام.

قال الشيخ علي دعموش في خطبة يوم الجمعة :

الشيخ دعموش : المسيحية والإسلام يملكان المبادئ الإنسانية نفسها[قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاًولا يتخذ بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون].  آل عمران 64. نبارك لكم وللمسلمين والمسحيين في العالم الاعياد المجيدة, حيث يتزامن هذه الأيام عيد المولد النبوي الشريف, مع ميلاد نبي الله عيسى ابن مريم (ع)، الذي بشر اتباعه بمحمد بن عبد الله (ص) ودينه ورسالته بما يوحي بدعوة أتباعه إلى الإيمان بهذا النبي (ص) ودينه باعتباره مكملاً لدين عيسى ورسالته.

[وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين]. الصف/ 6.

وبشارة عيسى(ع) بمحمد(ص) لم تكن البشارة الوحيدة بل إن كل الأنبياء والرسل والكتب السماوية بشرت بمحمد(ص) خاتم الأنبياء والرسل وبرسالته التي هي آحر الرسالات. والآية الأولى تدعو صراحة أهل الكتاب سواء كانوا يهوداً أو نصارى إلى الالتقاء حول القيم المشتركة والأهداف المشتركة والقناعات المشتركة.

الآية تدعو إلى البحث عن المبادئ المشتركة، بيننا وبين أهل الكتاب وخاصة بيننا وبين المسيحيين، لأن هناك عناصر مشتركة وقيم مشتركة بين الرسالتين والديانتين يمكن الالتقاء حولها والتعاون لتحقيق الأهداف المشتركة.

فليس المطلوب إقناع أحد الطرفين بدين الآخر أو إثبات أحقية دين على الآخر، فإذا لم نستطع أن نتعاون في جميع الأهداف فإن ذلك لا ينبغي أن يدفعنا نحو اليأس والافتراق والإختلاف الكامل وعدم  التعاون والالتقاء على النقاط المشتركة, فهناك الكثير من القيم والأهداف المشتركة بين الاسلام والمسيحة يمكن العمل سوية على تحقيقها.

 هناك قيم مشتركة: في العقيدة, وفي العبادات, وفي الأخلاق والسلوك,

ولعل من أبرز المبادئ والعقائد المشتركة التي نجتمع عليها هي قضية التوحيد كما تشير الآية.

فالمسيحيون يعتقدون بأن التثليث لا ينافي التوحيد ولا يتعارض معه, وكذلك اليهود يدعون التوحيد، بالرغم من أنهم يقولون بأن عزير ابن الله, فإذا كنتم ترون التوحيد مشترك فتعالوا نحي هذا المبدأ المشترك بشكل حقيقي وبدون مواربة بأن نتوجه الى الله الواحد الأحد ونعبد الله الواحد الأحد الذي دعا كل الأنبياء والرسل منذ آدم (ع) إلى عبادته, وأن لا نشرك به, وأن لا نتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله.

أن لا نتخذ أحداً غير الله رباً سواء كان نبياً كالمسيح أو عالماً أو رمزاً أو زعيما أو غير ذلك, ولعل في هذه الجملة (ولا نتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله) إشارة إلى عدم تأليه المسيح لأنه بشر مثلنا ومن نوعنا وجنسنا, ومن كان من جنس البشر لا يمكن أن يكون إلهاً, لأن طبيعة الإله وماهية الإله والذات الإلهية غير طبيعة الإنسان وماهيته.

في السنة التاسعة هجرية وبعدما استقر الإسلام نسبياً, أرسل النبي (ص) رسائل إلى كبار زعماء العالم في ذلك العصر، وبعض هذه الرسائل كانت تستند إلى هذه الآية الداعية إلى مبدأ التوحيد كمبدأ مشترك بين الديانات السماوية.

من هذه الرسائل رسالته (ص) إلى المقوقس زعيم مصر وعظيم الأقباط آنذاك, وحمل الرسالة حاطب بن أبي بلتعة، فلما وصل مصر وسلمه الرسالة قال لحاطب: ما منعه إن كان نبياً أن يدعو على من خالفه وأخرجه من بلده إلى غيرها أن يسلط عليهم؟

فقال له حاطب: ألست تشهد أن عيسى بن مريم رسول الله؟ فما له حيث أخذه قومه فأرادوا أن يقتلوه أن لا يكون قد دعا عليهم أن يهلكهم الله حتى رفعه الله إليه؟؟

قال: أحسنت أنت حكيم من عند حكيم.

ثم قال له حاطب: إنه قد كان قبلك من يزعم أنه الرب الأعلى ـ فرعون- فأخذه الله نكال الآخرة والأولى فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك ولا يعتبر غيرك بك، إن هذا النبي دعا الناس فكان أشرهم عليه قريش وأعداهم له اليهود وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى (عليهما السلام) إلا كبشارة عيسى بمحمد (ص) وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل وكل نبي أدرك قوماً فهم أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه, فأنت ممن أدرك هذا النبي ولسنا ننهاك عن دين المسيح بل نأمرك به.

بقي حاتم عنده أياماً ثم حمله رسالة إلى النبي (ص) وهدايا وأكرمه وأرجعه إلى بلاده ويقال: إن المقوقس أسلم وقبل دعوة النبي (ص) إلا أنه لم يعلن ذلك حفاظاً على مركزه.

ومن أبرز العبادات المشتركة بين الإسلام والمسيحية الصوم والصلاة والزكاة, فإن هذه العبادات ليست خاصة بالإسلام وإنما كان للأنبياء والرسل صلاة وصيام وزكاة وأحكام تتعلق بذلك قبل الإسلام، وإن كانت ربما كيفية ممارسة هذه العبادات تختلف في بعض الأديان.

يقول الله تعالى عن الصيام: [يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون].

ويقول حكاية عن عيسى: [قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً]. مريم 30 ـ 31.

وهناك قيم أخلاقية مشتركة كثيرة بين الإسلام والمسيحية كما يستفاد من (موعظة على الجمل) الواردة في إنجيل متى الذي يعتبر مصدراً من مصادر الأخلاق لدى المسيحية وأبرزها:

1 ـ إصلاح ذات البين: فالإسلام والمسيحية ركزا على قضية أن تكون العلاقات الإنسانية علاقات جيدة وحسنة وإيجابية, فكل العلاقات الإنسانية سواء كانت بين الزوج وزوجته أو بين الآباء والأبناء أو بين الاصدقاء أو بين الأقارب أو بين الزملاء في العمل أو بين الناس من مختلف الأعراق والأجناس أو بين الطوائف والاديان والمذاهب أو بين الأمم لا بد أن تمر بتوترات وأزمات ومشكلات في بعض الأحيان، والتوتر الذي لا يُحل ولا يعالج يؤدي إلى الظلم وقد يؤدي إلى العنف, ولذلك لا بد من معالجة حالات التوتر والخلاف الذي يمكن أن يقع في داخل الأسرة أو بين أبناء المجتمع أو البلد أو الوطن  بتقريب وجهات النظر وإصلاح العلاقات البينية والنزاعات البينية وصولاً إلى حلها بالتصالح والتسوية , وهذا هو معنى إصلاح ذات البين.

وفي النصوص الكثير ما يؤكد على إصلاح ذات البين إلى حد أن الإسلام يعتبر إصلاح ذات البين أفضل من الصلاة والصوم. ففي الحديث عن النبي (ص): إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصوم.

عن علي (ع): إصلاح ذات البين خير من عامة الصلاة والصوم..

2 ـ محبة الناس والتعامل معهم برحمة ورأفة وتواضع وتسامح, فالإسلام دين الرحمة  والمحبة, الإسلام حتى عندما دخل إلى المناطق غير الإسلامية الى اسبانية وشرق فرنسا شكر أتباع الديانات الأخرى تسامحه, وقد قال أتباع الديانات الأخرى للمسلمين عندما دخلوا منطقة الشامات أنتم أرحم بنا من حكامنا.                    

3 ـ الكرم والجود وإعطاء الناس بسخاء ومساعدة الفقراء والمحتاجين.

4 ـ العدالة ورفض الظلم والدفاع عن المظلومين, فالسيد المسيح جاهد طوال عمره في سبيل العدالة وفي سبيل الدفاع عن المظلومين والمحرومين والمقهورين, والنبي الأعظم محمد (ص) جاهد طيلة ثلاث وعشرين سنة من أجل تحقيق العدالة.

الرموز المسيحية في فجر المسيحية ضحوا في سبيل العدالة, والإنجيل والتوراة كما القرآن الكريم فيه الكثير من الآيات التي تحث على طلب إجراء العدالة ورفض الظلم والظالمين والطغاة والمستكبرين والمحتلين.

 من أسوء ممارسات الاستعمار والاستكبار وعملائهم هو القضاء على أمل الشعوب في الحرية وفي حياة كريمة.. لو كان المسيح بيننا اليوم لما فوت لحظة واحدة من الكفاح ضد رموز الظلم والاستكبار وصانعي الفساد والحروب والصراعات في العالم..