29-11-2021 11:17 PM بتوقيت القدس المحتلة

الحرب على سورية.. واستراتيجية أحجار الدومينو الأميركية 2/2

الحرب على سورية.. واستراتيجية أحجار الدومينو الأميركية 2/2

إذاً تعثرت الأهداف الأميركية أمام وحدة خيار المقاومة ومثلثه الفولاذي، لبنان المقاومة وسورية الممانعة وايران الصامدة

إذاً تعثرت الأهداف الأميركية أمام وحدة خيار المقاومة ومثلثه الفولاذي، لبنان المقاومة وسورية الممانعة وايران الصامدة، وسقط الخيار الأميركي في العراق، فكان لا بد من إعادة صياغة المشروع الأميركي في غرف البيت الأبيض المغلقة. وكما ذكرنا في الجزء الأوّل فإن أوباما كان أمام خيارين، إما السير على خطى سلفه واستكمال ما بدأه جورج بوش والذي أثبت عدم فعاليته، وإما إحداث تبديل نوعي في الإستراتيجية الأميركية مع الإبقاء على ثوابتها الرئيسية، إختار أوباما الخطة الثانية، وهكذا عادت سورية، التي تشكل الركن الأهم في مثلث المقاومة، لتكون الهدف الأميركي – الصهيوني البديل في استراتيجية أحجار الدومينو الأميركية.

للوهلة الأولى بدت أميركا وكأنها تتراجع عن ثوابت أرستها منذ زمن، فشهد العام 2009 عودة اللهفة الأميركية إلى استعادة العلاقات الإيجابية مع سورية، إلى مستوى شبيه بما حدث إبان رئاسة بيل كلنتون للولايات المتحدة، وشبيه أكثر بما حدث إبان الجولات المكوكية التي قام بها وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر في سبعينيات القرن الماضي اثر حرب تشرين 1973، وكلنا نتذكر المعادلة التي وضعها كيسنجر كمحصلة لجولاته في المنطقة، وهي "لا حرب في الشرق الأوسط بدون مصر ولا سلام بدون سورية".

لكن ما بدا أنه تراجع أميركي، كان في الحقيقة تطبيقاً محترفاً للخطة الأميركية الجديدة، والتي تنص على التقارب من سورية من جهة وإقناع "إسرائيل" من جهة أخرى بالتنازل عن الجولان المحتل كي توافق سورية على السير بعملية السلام في الشرق الأوسط، وهو شرط سوري لا يقبل الأخذ والرد للسير بعملية السلام. وهكذا تضم واشنطن دمشق إلى محور "الإعتدال" العربي، حيث تفقد سورية دورها القيادي والجماهيري والمقاوم التاريخي في مواجهة إسرائيل، وبطبيعة الحال تخرج سورية من علاقة التحالف الإستراتيجي مع إيران، إنما دون أن تستعديها.،فأوباما كان يعلم استحالة هذا التحوّل الكلي، لذا كانت الخطة تقضي باستخام علاقات سورية الإيجابية مع إيران باتجاه اقناع الجمهورية الإسلامية نفسها بأن مصالحها تكمن في علاقات أفضل مع الولايات المتحدة.

كانت أميركا مدركة بأن التوازن الإستراتيجي متعلق بالتسلح الصاروخي أكثر من أي عامل آخر، فاستخدمت هذه المعادلة لتقنع حليفتها بأن ذريعتها لاحتلال الجولان السوري قد انتهت مع دخول الصواريخ مضمار التسلح. وخير برهان على ذلك كان الحرب الصهيونية على لبنان في تموز 2006 والدور الذي لعبته الصواريخ في احباط "اسرائيل" والحاق الهزيمة بها، جنبا الى جنب مع قدرات مقاتلي حزب الله المتفوقة. ونستنتج هنا أن أحد السطور الرئيسية في مخطط إدارة أوباما كان إنقاذ إسرائيل من سياستها التي تسوقها إلى صدام غير محسوب النتائج مع إيران، وبالتالي مع سورية والقوى الحليفة لهما. لكن إدارة الرئيس أوباما التي لم تستطع لا في تلك الأيام ولا اليوم أن تقنع "إسرائيل" بتجميد عملية الإستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لم تستطع أيضاً أن تقنعها بالتخلي عن الجولان.

فشلت إذاً أميركا في تطبيق إستراتيجيتها الجديدة، فسقط قناع الود تجاه سورية ولم يبق من مخططها سوى الثوابت، أي حماية "إسرائيل" واستكمال عملية إسقاط آخر نظام عربي مقاوم والتي كانت قد بدأتها في العام 2005. والإشارة التي أرسلتها وقتها كانت سماحها للموساد الإسرائيلي في 19 كانون الثاني 2010 باغتيال محمود عبد الرؤوف المبحوح، أحد قياديي كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس، في دلالة على عودة مسلسل الاغتيالات التي كانت قد بدأته مع الشهيد القائد عماد مغنية، واللواء محمد سليمان عام 2008، إلا أن العملية الأخطر التي نفذتها كانت اغتيال نائب رئيس الاستخبارات العسكرية الروسية الجنرال يوري إيفانوف خلال زيارة سرية لسورية في مطلع شهر آب من العام 2010 والذي عثر على جثته لاحقاً في المياه التركية !

ولأنه لم يعد أمامها أي خيار آخر، قررت الإدارة الأميركية تنفيذ ما حضرت له طويلاً وإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد. واتهام أميركا بأنها أم ما يسمى بـ"الثورة" السورية وأبيها لم يأت من فراغ، فعدا عن تطورات الأحداث التي أثبتت حتى اللحظة كل ما قيل عن وقوف أميركا وراء المخطط التدميري لسورية، يكفينا هنا أن نشير إلى ما نصته أيدي الدبلوماسيين الأميركيين في البرقيات الصادرة عن السفارة الأميركية في دمشق بين عامي 2006 و2009 عن أنّ إدارتي جورج بوش وباراك أوباما كانتا على اتصال بالمجموعات السورية المعارضة، عبر "مشاريع لتعزيز الديموقراطية في الداخل"، وتمويل قناة "بردى" المعارضة. حيث تنقل هذه الوثائق أيضاً أن السفارة الأميركية في دمشق لم توفّق في برامجها الإصلاحية، وتقول إنه منذ تطويرها إستراتيجية الإصلاح الديموقراطي لتنفيذها في سورية منذ 2005، والمعوقات لعملها تتوالى، فأضحى منذ ذلك التاريخ معظم مصادرها في السجون، فيما منع عدد كبير من المعارضين والعاملين في مجال حقوق الإنسان والمجتمع المدني من مغادرة البلاد.

هذه الهواجس الأميركية، إلى جانب معلومات عن تمويل السفارة لبعض فصائل المعارضة السورية في الخارج، تنقلها برقيات دبلوماسية أميركية صادرة عن السفارة الأميركية في دمشق، ففي برقية تحمل الرقم 07DAMASCUS1193 وتعود لتاريخ 23 كانون الأول 2007، يقترح المكلف بالأعمال تود هولمستروم على وزارة الخارجية تمويل بعض النشاطات التي يمكن من خلالها دعم المعارضة السورية، عبر ثلاث طرق. أولاً: مساندة السجناء السياسيين والمعارضين ومساعدة عائلاتهم، ثانياً: مساعدة المعارضة السياسية على نشر رسالتها والتوسع في الداخل، وثالثاً: مساعدة المعارضين خارج سورية، ممن يحظون بثقة المعارضين في الداخل. وتضيف البرقية أنّ التصريحات العلنية، التي تدين قمع المعارضين لا تكفي، وأنّ مصادر السفارة في دمشق أكدت هذه النقطة، وطلبت فعل المزيد. وبعد تعداد الوسائل الكلامية التي يمكن عبرها مساندة عائلات السجناء، يقترح هولمستروم استخدام صندوقين لتوزيع الأموال عبرهما. الأول هو صندوق مكتب الديموقراطية وحقوق الإنسان والعمال  (DRL)، والثاني هو صندوق مبادرة شراكة الشرق الأوسط (MEPI) التابعان لوزارة الخارجية. وتقترح السفارة أن يكون ذلك عبر استخدام المنظمات غير الحكومية العالمية، مثل «فريدوم هاوس». هذا في ما يتعلق بأول وسيلة مساعدة.

أما الثانية، أي نشر رسالة المعارضة، فتقترح السفارة تدريب الصحافيين على موضوعات حقوق الإنسان، والمساعدة في إنشاء مواقع للصحافة الحرة، الإلكترونية والمكتوبة. أما الأهم فهو تسهيل حصول المجلس الوطني لإعلان دمشق على برنامج تلفزيوني لمرة او مرتين في الأسبوع. وكذلك، يقترح هولمستروم تشجيع قناة «الحرة» الأميركية، الناطقة باللغة العربية، على التركيز على قضايا حقوق الإنسان في دول الشرق الأوسط، ومنها سورية. وفي برقية أخرى تحمل الرقم  09DAMASCUS306  مؤرخة في 28 نيسان 2009، تشير القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في سورية مورا كونيلي، السفيرة الحالية في بيروت، إلى أنّ صندوق مبادرة شراكة الشرق الأوسط ((MEPI منح "مجلس كاليفورنيا للديموقراطية" مبلغ 6300562 دولاراً عبر "مبادرة تمكين المجتمع المدني"، وتضيف أنّ مبادرة التمكين هذه هي مشروع مشترك بين المجلس و"شركاء محليين" نتجت منه مفاهيم عدّة للبث التلفزيوني ستبدأ في نيسان 2009، تاريخ يصادف بدء بث قناة "بردى" المعارضة من لندن.

إذاً، استناداً للوثائق الأميركية، بالإضافة إلى المعطيات الميدانية، بات يمكننا أن نرى المشهد بوضوح أكبر. ولو وقفت أميركا وراء الإتحاد الأوروبي في حربهما على سورية، بات أمرها مفضوحاً بأقلام وأفواه دبلوماسييها إن كان من خلال الوثائق أو عبر البيانات والإطلالات الإعلامية التي وصلت درجة التحريض فيها إلى مستوى لم يشهده العالم من قبل. كما أن رأس الحربة العربي- التركي في مشروع إسقاط المقاومة لم يعد خافياً على أحد إطلاقاً، وآخر فصوله كان الحديث عن منطقة جوية عازلة تقيمها تركيا بعد وصول الضغوط العربية إلى آفاق مسدودة، ترافق مع الكشف عن خطة أوروبية لشن عدوان على سورية، وتزامن الحدثان مع نشر "الاخوان المسلمين" لخرائط الدفاعات الجوية السورية التي كشفت عنها مجلة الـ"فورين بوليسي" في رسالة عدائية واضحة وصريحة للنظام السوري. هذا عدا عن أنّ الخطة الأوروبية ترمي إلى إسقاط النظام في سورية عبر توجيه ضربات إلى مؤسساته بشكل مباشر، وهذا ما يفعله بالتحديد "الجيش السوري الحر"  بقيادة رياض الأسعد، أم يمكننا القول "جيش الإخوان الحر" بزعامة أردوغان؟