11-12-2017 05:11 PM بتوقيت القدس المحتلة

«مستوطنة درزية» في حطّين: إسرائيل تفتن بين «الأقليات»!

«مستوطنة درزية» في حطّين: إسرائيل تفتن بين «الأقليات»!

وتنقل مصادر لبنانية عن السفير الأميركي في تل أبيب أن «إسرائيل تعمل على مشروع ضخم لسحب الجنسية الإسرائيلية من السنّة الفلسطينيين، مقابل منحهم إقامات وإجازات عمل مشروطة بالسلوك الأمني، بهدف تهجيرهم..".

بعد 67 عاماً على الاحتلال وتقسيم فلسطين، لم تعد إسرائيل تكتفي بآلاف المستعمرات اليهودية التي بنتها على أنقاض القرى والمدن الفلسطينية المهجّرة. إذ شرعت حكومة العدو برئاسة بنيامين نتنياهو في مشروع بناء مستعمرة «درزية» على أنقاض قريتي حطّين ونمرين المهجّرتين في منطقة الجليل الأسفل، شمالي شرق فلسطين المحتلة، على الضّفة الغربية لبحيرة طبريا.

ومع أن الخطوة تبدو مستغربة، لناحية سعي إسرائيل الدائم إلى بناء المستعمرات اليهودية حصراً، وتهجير الشعب الفلسطيني بكلّ مكوّناته منذ ما قبل 1948، ومحو آثار فلسطين ومدنها وقراها، إلّا أن مشروع بناء المستعمرة في منطقة حطّين، بما تحمله من دلالات تاريخية، يصبّ في سياق «شيطاني» لتعميق الانقسام بين الفلسطينيين، ويخدم محاولة إسرائيل نزع صفة العنصرية عنها، وإظهار نفسها دولةً «حامية للأقليات»، في ظلّ المجازر والدماء المتناثرة في سوريا والعراق

فراس الشوفي/ جريدة الأخبار

«مستوطنة درزية» في حطّين: إسرائيل تفتن بين «الأقليات»!في 5 كانون الثاني الماضي، أقرّ «المجلس القطري للتخطيط والبناء في إسرائيل» مشروع «إقامة قرية درزية جديدة، ضمن الأراضي التابعة للمجلس الإقليمي للجليل الأسفل (كيبوتس لافي)، في منطقة أحوزات نفتالي القريبة من مدينة طبريا»، والقرار بمثابة تصديق على القرار 5322 الذي أصدرته حكومة نتنياهو في 18 تشرين الثاني 2012، وإعلان البدء بتحويل المشروع إلى واقع.

وعبّر نتنياهو عن سعادته لقرار «المجلس القطري»، مشيراً إلى أنه «لأول مرة منذ إقامة الدولة، نحن نقيم بلدة درزية جديدة»، وأن «هذا هو مجرد جزء من الأنشطة الواسعة النطاق التي نقوم بها لمصلحة المواطنين الدروز».

حدّد القرار مكان المستعمرة المفترضة بين مدينة طبريا ومفرق بلدة الشجرة (بلدة الشهيد ناجي العلي)، أو «مفرق جولاني» بحسب التسميات الإدارية العبرية، وعلى مقربة من مقام النبي شعيب ذي الرمزية الدينية الكبيرة لدى الموحّدين الدروز. وبحسب المعلومات، يتضمّن المشروع إقامة 400 وحدة سكنية لعوائل الجنود والضّباط الدروز المسرحين من الجيش الإسرائيلي، ليراوح عدد السكّان المتوقّع بين 2000 و2500، على أن يستكمل المشروع لاحقاً بمشاريع اقتصادية وزراعية.

ورغم محاولات إسرائيل وبعض المتعاونين معها من أعضاء الكنيست وشخصيات درزية أخرى تسويق «القرية» على أنها مصلحة لـ «الشعب الدرزي»، أو «المجتمع الدرزي» بحسب التوصيف الإسرائيلي، إلّا أن الغالبية العظمى من أهالي القرى الدرزية في الجليل والكرمل، ترفض المشروع وترى فيه «دق إسفين» بين مكوّنات الشعب الفلسطيني الواحد، خصوصاً أن قرية حطّين التي أمر ببنائها السلطان المملوكي صلاح الدين الأيوبي عام 1187 احتفالاً بتحرير مدينة القدس من الصليبيين، تحمل رمزية تاريخية كبيرة. وتوزّع أهالي حطّين ونمرين بعد تهجيرهم على مخيّمات اللجوء في لبنان وسوريا والأردن وطولكرم ونابلس، وانتقل بعضهم إلى قرى «ثالوث يوم الأرض»: سخنين وعرابي ودير حنّا.

وعلى مدى سنوات الاحتلال، صادرت إسرائيل ما نسبته 80% من أراضي القرى الدرزية لبناء مستعمرات يهودية أو مساحات حرجية أو مشاريع اقتصادية، بالإضافة إلى عدم منح أبناء القرى تراخيص بناء جديدة، وتغريم «لجان التنظيم» الأهالي بغرامات سنوية خيالية تراوح بين 20 و50 ألف «شيكل»، وقد وصل بعضها إلى 200 ألف «شيكل»، في حال البناء من دون ترخيص. وتؤكّد مصادر أهلية فلسطينية من داخل الجليل الأعلى لـ«الأخبار» أن «لجان التنظيم فرضت غرامات على بعض البيوت المبنية قبل قيام دولة إسرائيل حتى، بحجّة أنها لم تحصل على التراخيص».

كذلك أقامت إسرائيل مستعمرتي المطلّة و«روش بينا» على أنقاض قريتي المطلّة والجاعونة الدرزيتين في شمال الجليل الأعلى، على مقربة من الحدود اللبنانية، بعد تهجيرها من قبل عصابات «الهاغانا» اليهودية قبل قيام دولة إسرائيل، فاضطر أهل القريتين إلى اللجوء إلى لبنان وجبل الشيخ وبلدة بيت جن في الجليل. وبحسب المصادر، فإن «إسرائيل إذا أرادت مصلحة الدروز كما تقول، عليها أن تعيد الأراضي التي سرقتها، لا أن تمنحهم أراضي ليست ملكاً لها، بل ملكٌ للشعب الفلسطيني المهجّر». وأشارت إلى أن «هناك مجموعات من المتطرفين اليهود في الجليل الأسفل تعارض إقامة المستعمرة، ومن المتوقّع أن تتحرك رفضاً لها».

المحامي يامن زيدان المتابع لملفات الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، قال لـ«الأخبار» إن «هذا المشروع هدفه خلق واقع جديد، وتحويل الدروز الفلسطينيين من أصحاب حقّ إلى مستوطنين مثل اليهود، وبالتالي شرعنة الاستيطان من خلال شريحة فلسطينية». وأضاف أن «هناك معارضة كبيرة مباركة من الشارع الدرزي، ورفضاً قاطعاً لإقامة القرية على أنقاض القرى الفلسطينية التي هجّرت دولة إسرائيل والعصابات اليهودية أهلها، وهناك تحرّكات عملية وقريبة لأهلنا لرفض المشروع».

إسرائيل تجهد لنزع صفة العنصرية عنها عبر الترويج لحمايتها للأقليات

دروز فلسطين المحتلةمن جهته، شدد رئيس لجنة التواصل الوطنية الشيخ عوني خنيفس على أن «الدروز جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، والمشروع هو من ضمن سياسة فرّق تسد التي اتبعها اليهود منذ احتلالهم لبلادنا». وأكّد قائلاً: «باسم الغالبية الساحقة من أهالي الدروز في فلسطين نرفض إقامة هذا المشروع لأنه استكمال لمشروع تهجير من بقي من أهالي فلسطين من (عرب 48)، ولن نقبل به بأي شكل». وطالب خنيفس «جميع أبناء شعبنا برفض هذا القرار، والمطالبة بتوسيع مسطحات القرى وأعطاء قسائم جديدة بدل الاستمرار في مصادرة أراضي الشعب الفلسطيني، ووقف التجنيد الإجباري الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين الدروز».

وأمام الرفض الشعبي العام، يحاول عدد من الشخصيات الدرزية أبرزها عضوا الكنيست الإسرائيلي حمد عمّار وأيوب القرا (الأخير يشغل منصب «وزير الأقليات» ومن المقرّبين من نتنياهو)، الترويج بأن الأرض التي تنوي إسرائيل إقامة المستعمرة عليها لا تعود إلى الفلسطينيين أو «العرب» بحسب التوصيف العبري، بل إلى الدولة الإسرائيلية. وبحسب المصادر الفلسطينية الأهلية، فإن «الموقف الشعبي العام أحرج (شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز) الشيخ موفّق طريف، فدفعه إلى إعلان موقف ملتبس، كرفض إقامة القرية (إذا) كانت تقوم على أراضي حطّين ونمرين، من دون تحديد موقف قطعي والضغط على المعنيين لإيقاف المشروع، في ظلّ النفوذ الذي يتمتّع به لدى دوائر القرار الإسرائيلية». إلّا أن المصادر أشارت إلى موقف عضو الكنيست صالح طريف المقرّب من الشيخ طريف، الذي أكّد عبر «راديو شمس» أن «الدروز لا يقبلون أن يكونوا مستوطنين».

إسرائيل وكردستان

وبحسب مصادر دبلوماسية عربية، فإن «إسرائيل تجهد في المحافل الدولية لنزع صفة العنصرية عنها عبر الترويج لحمايتها للأقليات الدينية في داخل إسرائيل لتكون الدولة اليهودية نموذجاً في حماية الأقليات، في ظلّ ما يحصل في المنطقة وتفكّك الدول الوطنية»، مشبّهة الأمر بما «يروّجه مسعود البرزاني في كردستان عن حماية الأقليات عبر إقامة إقليم للأقليات في سهل نينوى يضمّ المسيحيين والأيزيديين والشبك والأشوريين والسريان، ويتمتّع بحماية دولية عبر قوات خاصة ألمانية وفرنسية وبريطانية وأميركية وقوات البشمركة». وتشير المصادر إلى أن «إسرائيل تحاول الفرز بين المكوّنات الفلسطينية من الدروز والشركس والمسيحيين، وتصنيفها كشعوب أو مجتمعات وليس كجزء من الشعب الفلسطيني، لتسهيل تهجير الفلسطينيين السنّة من الداخل».

وكان قد سبق للحكومة الإسرائيلية بعد زيارة البطريرك الماروني بشارة الراعي لفلسطين المحتلة في أيار 2014، أن أقرّت تغيير تصنيف الموارنة الفلسطينيين في سجلّات الدولة من «عرب» إلى «آراميين». ووصف وقتها عضو الكنسيت الإسرائيلي باسل غطاس عن حزب «بلد» العربي ذلك بأنه «سياسة فرّق تسد، وإسرائيل لا ترانا نحن العرب المسيحيين جزءاً من الشعب الفلسطيني، بل ضمن تشكيلة من المجموعات العرقية الصغيرة وتزرع الخلافات والانقسامات بيننا». وتشير مصادر كنسية أرثوذوكسية لـ«الأخبار» إلى أن «هناك محاولات إسرائيلية وضغوطاً لإقناع الفلسطينيين الأرثوذوكس بالتحوّل إلى أقلية مستقلة عن الفلسطينيين»، على غرار الموارنة.

وتنقل مصادر «مصرفية» لبنانية عن السفير الأميركي في تل أبيب دانييل شابيرو تأكيده أن «إسرائيل تعمل على مشروع ضخم لسحب الجنسية الإسرائيلية من السنّة الفلسطينيين، مقابل منحهم إقامات وإجازات عمل مشروطة بالسلوك الأمني، بهدف تهجيرهم، والولايات المتحدة ترفض حتى الآن هذا المشروع». وتشير المصادر إلى أنه «رغم قلق إسرائيل الأمني من الانتفاضة الفلسطينية الحالية، إلّا أنها تحاول استثمار الأمر لشيطنة الفلسطينيين السّنة تمهيداً لنزع الجنسية عنهم وتهجيرهم». وفي بداية العام الجديد، تفقّد نتنياهو مكان العملية التي نفذها الشهيد نشأت الملحم في شارع «دازنغوف» بتل أبيب وقُتل فيها إسرائيليان، مطلقاً سلسلة تصريحات عنصرية ضد الفلسطينيين.

وقال: «لا يمكن القول إنني إسرائيلي في الحقوق وفلسطيني بالواجبات... إنّ من يريد أن يكون إسرائيلياً فليكن إسرائيلياً بشكل كامل»، مشيداً بما سمّاه «إيجابية الاندماج المتزايد» للمسيحيين والدروز والبدو.