21-05-2019 04:11 AM بتوقيت القدس المحتلة

عاصم المصري: صراع الاستعمار لتثبيت القوة

عاصم المصري: صراع الاستعمار لتثبيت القوة

هذا العمل الفكري التحليلي بامتياز يوضّح كيف تسنّى لكسنجر والقوى المهيمنة في الولايات المتحدة افتعال فضيحة «ووترغيت» لتجميد صلاحيات الرئيس نكسون وتنفرد بتوجيه الحرب ومفاوضات التسوية..

عاصم المصري رجل أعمال ومفكر، يعمل بصمت، غير مكترث بالشهرة، لكن القارئ يعرفه من مؤلفاته الإبداعية السابقة، في المجالات المعرفية والأدبية التي سبق لنا عرض بعضها. كتابه الجديد «ناقوس النفط وخطر النضوب»، نعثر فيه على مواصلة الكاتب العمل بمنهج توازن التناقض الذي اتبعه في كتابيه «الأبجدية ودلالاتها- النظرية والتطبيق"، و"جدلية الثنائي».

هنا يتابع جدليّة حركة الصراع الاستعماري في المنافسة للاستحواذ على مكامن القوّة، التي اتبعها في جدليّة بُنية حروف الأبجدية العربية؛ يقابل الحجج والبراهين ببعضها ويتركها لتشير إلى المسار، والمصير، سواء الذي أحدثته الحروب، أو الذي ما انفكت تتابعه. رسالة المؤلف: «خلق التناقض ضروري للعبور من خلاله إلى الهيمنة».

زياد منى/ جريدة الأخبار

غلاف الكتابفالاحتلال العثماني للقسطنطينية كان ارتداداً للحملات الصليبية، وموجات الزحف الاستعماري رادفة لراجفة التوغل العثماني في أوروبا، ولإغلاق العبور إلى الشرق. وما الحروب الأوروبية الأوروبية، إلّا صراعات تحالفات لتأبيد السيطرة على ممتلكات «الرجل المريض»، وسُلّم لامتلاك النفط حقولاً ومعابرَ. الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية في أوروبا فضح الجشع الإمبريالي وآلية «العلاج بالصدمة» في مشروع مارشال الأميركي، ليجعل من أوروبا واليابان تابعين لها، عسكرياً واقتصادياً.

بعد الفصل التمهيدي التاريخي «إمبراطوريات عبر التاريخ»، يعالج الكاتب المعلومات ذات الصلة، لكن من دون عزلها عن سياقاتها السياسية والفكرية ومخضعها إلى جدل التناقض. الهدف إجراء نقد لآلية الصراع ومكوّناته وأبعاده ونتائجه، وصولاً إلى تعرية الهيمنة الإمبريالية ومتوسلاً أدواته الفكرية ومرجعيات ذات الصلة، ومعايراً اللحظة التاريخية بمكنوناتها الماديّة.

أدوات الكاتب التحليلية والمعلومات، الموثقة، التي أوردها من هذا المنظور، تثبت صحة رأيه بأن النفط خلق اقتصاداً ريعيّاً أسهم في وباء التضخّم، ومنح القوى الإمبريالية قدرة التحكّم بصمّامات الطاقة ومسار أنابيبها وطرق نقلها، وصناعتها، وإحلال الذهب الأسود محل الذهب الأصفر. واشنطن سخرت «البترودولار» لتنفرد بتسيير الاقتصاد العالمي لمصلحة شركاتها القابضة، التي أمكن لها خصخصة وظائف الدولة الاجتماعية والخدماتية وإلحاق الأتباع بعالمها، مؤجّجة حروب الدمار للعلاج بالصدمة؛ كما فعلت في العراق، ولتقود «الفوضى الخلّاقة» أو ما أُطلق عليه «الربيع العربي»، الذي وصفه الكاتب بـ«رياح السّموم»، في مسعى لمصادرة النفط وتراكم عائدات دول الإنتاج، ولتبقى «إسرائيل» الرئة التي يتنفّس من خلالها الإقليم وليتمدّد الطغيان الأعرابي، كما يصفه.

هذا العمل الفكري التحليلي بامتياز يوضّح كيف تسنّى لكسنجر والقوى المهيمنة في الولايات المتحدة افتعال فضيحة «ووترغيت» لتجميد صلاحيات الرئيس نكسون وتنفرد بتوجيه الحرب ومفاوضات التسوية، واستغلال أزمة النفط وحرب تشرين 1973، لتعزيز «البترودولار»، والتحكّم بعصب الاقتصاد العالمي؛ من خلال تحالفها مع التكفيريين من آل سعود.

البحث شدد على أهمية النفط والغاز الذي يتمركز بمعظمه بين الخليج الفارسي وبحر قزوين، بأن أتاح انتقال مركز الثقل العسكري من قناة السويس إلى الخليج، وفرض الخطوات التي أدّت إلى التسوية بين مصر وكيان العدو الصهيوني. كما تمكن من جمع المليشيات العسكرية اللبنانية في الطائف، بعدما أمضت قرابة 17 عاماً من الاقتتال، وحوّلها هناك إلى «مليشيات مالية»، فتم بواسطتها الهيمنة على لبنان وتسنّى ابتياع البلد المدمّر بثمن بخس. إضافة إلى ذلك، أخضع الريع النفطي المليشيات الفلسطينية، وساقها للالتحاق بمؤتمر مدريد والخضوع لمؤامرة أوسلو.

استخدم العرب «سلاح النفط في المعركة» لإنقاذ الاقتصاد الأميركي

كما تسنّى للإمبريالية الأميركية احتلال حقول نفط الخليج وتدمير العراق، ومتابعة سيناريو «الفوضى الخلاقة».
من خلال استخدام تقنية تحليل أرقام جداول الاحتياطي والإنتاج والملكية، واستجلاب خرائط ومؤشّرات مسارات الأنابيب، والمشاريع الاستثمارية المرصودة لهذا النشاط، بيّن الباحث أنّ الطاقة الكربونية (نفط وغاز) مملوكة لبضع شركات متعدّدة الجنسية؛ بدءاً من المسح إلى الإنتاج والتسويق وما يتبعها من صناعات، وأن ريعها يصب ويتجه لإدامة الهيمنة وإحكام القبضة على الحكام والحقول والممرات، وهو ما يعكس تفاقم الفساد والدمار. فالنفط، بحسب الكاتب، «دموع الشيطان»، و«لعنة ميداس».

في معالجته لموضوع استخدام العرب لـ«سلاح النفط في المعركة»، استدرج عاصم المصري ما قيل، ليعرّي هذا الادعاء وليثبت أنّه استخدم لإنقاذ الاقتصاد الأميركي، وليدلّل من خلال بعض ما كُشف عنه من وثائق أميركية، كيف استدرج الشاه ليكون سُلّماً ورافعة للسعر وليوضع في مجابهة آل سعود لينفذ كسنجر وفريقه إلى إثارة العالم الصناعي مستغلاً حرب تشرين، فيمسك ليس فقط بآلية التسعير، بل وأيضاً بالتدفّقات المالية والتحكم بالسياسات الدولية، وتحميل الحلفاء والأتباع تكاليف حروبه، بدءاً من حرب فيتنام، إلى تحرير الكويت وغزو العراق.

لفت الكاتب النظر في تحليله لمدخلات ومكوّنات سعر بيع النفط العربي، إلى حقيقة ما تقوله الأرقام والوقائع والعقود، بأن الشركات النفطية هي المنتج والمشتري، ومن يملك المعلومات ووسائل الخدمة والاستخراج والنقل والمصافي ومحطات الوقود والمصانع البتروكيماوية، وأن عائد البلد المنتج لم يتجاوز إبان أزمة النفط أكثر من 15% من سعر بيع البرميل الذي وصل إلى حوالى 11$، وأنّ هذا الدخل تسرّب فوراً إلى خزائن الإمبريالية عبر التبذير الاستهلاكي ونفقات التسليح والحماية، وملجأ للأمان والسريّة، وليتبخّر بإفلاسات مدبّرة، وبانخفاض سعر العملة.

سندان الفساد ومطرقة الحرب، بما فيها الإرهاب التكفيري، مسارات للتفريغ والتجويع والدمار، لـ «العلاج بالصدمة»، وهو ما عالجه المؤلَّف ونبّه إلى أهمية امتلاك الشعوب لمواردها بالتحرّر من الطغم الفاسدة والمستبدة، ولجعل الطاقة أداة بناء لا وسيلة دمار. والرسالة التي بلّغها في فصل «الصراط المستقيم» موجّهة أيضاً للمستهلك الأميركي الذي يستهلك قرابة 25% من الإنتاج العالمي في حين عدد سكان الولايات المتحدة لا يتجاوز 5% من سكان العالم.

عاصم المصري، المفكر، إذ وضع بين أيدينا وأمامنا، كما يقول، شيطان النفط في مقابلة راجفة تصادمية، بما تزخر من تردّد وفتن وعماء بصيرة، طالباً «الذاهبين إلى الغفلة بأقدام ليست لهم وقلوب لا تعقل التوقّف ليروا بصيص أمل إن فتحوا أعينهم..»، غير مغفل دور الأنظمة القبلية والطائفية، التي تعمل الإمبريالية على تعميم طغيانها لتثبيت الاحتلال الصهيوني على كيانات متشظية متناحرة.