22-02-2020 06:22 AM بتوقيت القدس المحتلة

بين الاحتواء والحرب الشاملة.. سورية تقسم العالم إلى محورين متصارعين

بين الاحتواء والحرب الشاملة.. سورية تقسم العالم إلى محورين متصارعين

لا بدّ أن يتغيّر النظام العالمي بانتصار أحد المحورين

طلال ياسر



إن نظرة سريعة إلى الحرب العراقية - الإيرانية وما نجم عنها من خسائر لكلا الطرفين، تشي بأن هناك مستفيداً وحيداً على الساحة الدولية من هذه الحرب وما خلّفته على الجبهتين، هو الولايات المتحدة و”إسرائيل”، وخاصة أن الثورة الإسلامية في إيران أزالت نظام الشاه العميل لهما في الخليج، ووضعت نصب عينيها قضية تحرير القدس من الاحتلال الإسرائيلي، ومهّدت لظهور نوع جديد من المقاومات في المنطقة، يستمدّ دعمه من مبادئ هذه الثورة، ويمكن أن يؤدّي إلى تواصل فريد بين إيران الإسلامية وهذه المقاومات عبر العراق وسورية الداعم الفعلي لها آنذاك.

ولا شكّ أن الولايات المتحدة لجأت بعد حرب الخليج الأولى إلى سياسة واضحة تتمثل في احتواء سورية، فكان أن أوعزت إلى النظامين السعودي والمصري آنذاك بالتقرّب من سورية وتشكيل ما يسمّى “المثلث السوري - السعودي - المصري”، وهذا المثلث مبنيٌّ في الحقيقة على أن يقوم هذان النظامان التابعان أصلاً للولايات المتحدة الأمريكية بما يسمّى “تدجين سورية”، وذلك من خلال المحاولة قدر الإمكان جرّ سورية إلى التخلّي عن سياسة مواجهة “إسرائيل” ودعم حركات المقاومة في المنطقة، حيث يعمل هذان الطرفان تدريجياً على تغيير سياسات سورية في هذا الاتجاه، هذا من جانب.
ومن جانب آخر كان المطلوب من هذين الطرفين أن يدفعا سورية إلى فكّ تحالفها الاستراتيجي مع جمهورية إيران الإسلامية، من خلال إيهامها بأنها تستطيع استبدال هذا التحالف بتحالف آخر مع هاتين الدولتين تمهيداً للاستفراد بها.
 وهذا كله كان الغرض منه جعل وجود “إسرائيل” في المنطقة طبيعياً شرعياً، يومّن لها تغطية أمنية فترة طويلة من الزمن كهدف مرحلي.

الاستفراد بكل طرف على حدة

 وعندما لم ينجح هذا الترتيب في تحقيق أيٍّ من أهدافه المتمثلة بتغيير “سلوك سورية” الداعم لحركات المقاومة، وبفكّ تحالفها مع إيران، كان لا بدّ من اللجوء إلى أسلوب آخر في التعامل مع الجبهة التي بدأت تتضح معالمها ”جبهة المقاومة والممانعة” ممثلة بسورية وإيران الدولتين وبحركات المقاومة في المنطقة “الفلسطينية واللبنانية”، وهذا الأسلوب يتمثل بمحاولة الاستفراد بكل طرف من هذه الجبهة على حدة، فكان السعي الأمريكي بالتزامن مع احتلال أفغانستان ومن ثم العراق، إلى “شيطنة إيران” من خلال العمل مع النظام السعودي خاصة على تعويم الخلافات المذهبية والطائفية الموجودة في المنطقة واللعب على وترها، حيث يكون وجود إيران الاسلامية القوية في المنطقة تهديداً لسائر شعوب المنطقة من خلال الادعاء أن إيران تمثل مدّاً لمذهب إسلامي معين في المنطقة على حساب المذاهب الأخرى، فراحت السعودية تفسّر كل ما يحدث في المنطقة على أنه تمدّد شيعي، وعملت بالاتفاق مع أمريكا على صناعة حرب أهلية في العراق تحت الاحتلال الأمريكي بين السنّة والشيعة من خلال أداتهما “تنظيم القاعدة”، فراحت تدرّب مسلّحين من هذا التنظيم على القيام بعمليات انتحارية في الاتجاهين لتسعير هذه الحرب الأهلية، واستقدمت مرتزقة من أفغانستان وباكستان ودول إسلامية أخرى تحت مسمّى محاربة “المدّ الشيعي” لهذه الغاية.
 وكذلك عملت مع الاستخبارات الأمريكية على زرع الفتنة داخل إيران، لتأجيج نوع من الصراع في إيران على أساس طائفي غالباً، تبيتبيّن لهما في النهاية أنهما لن يفلحا فيه.
 هذا كله تمّ بالتوازي مع العمل على فرض عقوبات اقتصادية على إيران بدعوى محاولتها الحصول على سلاح نووي، وذلك من خلال التضييق على برنامجها النووي وتسويقه في العالم على أنه تهديد للسلم والأمن الدوليين.

صدمة اغتيال الحريري

 ومن جانب آخر تم إنجاز اتفاق ضمني أمريكي - سعودي على اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، لإلصاق هذا الاتهام بسورية من خلال فبركة أدلّة وشهود زور، وصناعة محكمة دولية “مصمّمة سلفاً لهذا الغرض” لتجريم سورية ومحاولة فرض الاستسلام عليها، من خلال إجبارها على التخلي عن دعم حركات المقاومة وفكّ تحالفها مع إيران، وصولاً إلى إجبارها على التوقيع على معاهدة سلام مع “إسرائيل” دون المطالبة بتطبيق أي قرار دولي ضدها فيما يخص القضية الفلسطينية والجولان وسائر الأراضي العربية المحتلة منها، فأصدرت الإدارة الأمريكية قانون محاسبة سورية كمقدّمة للتدخّل مستقبلاً بشكل مباشر بها.

وعندما صمدت سورية في مواجهة ذلك التحالف العربي- الغربي ضدها، واستطاعت أن تفرض دورها المحوري في المنطقة، كان لابد من التوجّه إلى أحد أضلاع جبهة المقاومة الأخرى، وهو حزب الله وذلك من خلال شنّ حرب إسرائيلية على لبنان مدعومة من الولايات المتحدة والغرب وبعض الدول الخليجية المعروفة، بدعوى قيام حزب الله باختطاف جنود إسرائيليين من أراضٍ عربية محتلة أصلاً من “إسرائيل”، وكان دور عرب البترودولار آنذاك تسويق حزب الله على أنه مغامر وصانع للأزمات في المنطقة.
 وقد انتهت هذه الحرب أيضاً بنصر تاريخي لحزب الله على “إسرائيل”، ومن ورائه محور الممانعة الداعم له “سورية وإيران”، وذلك باعتراف العدوّ الصهيوني نفسه في تقرير أعدّه بهذا الشأن مقابل إصرار عربيّ على تصوير هذا النصر على أنه هزيمة لمنع قوى المقاومة والممانعة من حصد نتائج هذا النصر استراتيجياً.
 وقد استُخدمت في محاولات إخضاع حزب الله أدوات داخلية لبنانية معروفة، وأخرى عربية، فشلت جميعاً في تحقيق هذه الغاية.

 ثم تبيّن لهم فيما بعد أن السبيل الوحيد لإخضاع حزب الله سيكون من خلال عزله داخلياً عن جمهوره العريض من سائر الطوائف، وذلك من خلال استخدام المحكمة الدولية في تسويق اتهام حزب الله وصولاً إلى صناعة فتنة طائفية في لبنان تجعل حزب الله ينكفئ إلى الداخل وبالتالي يدمّر نفسه بنفسه من خلال إشغاله بصراعات داخلية، وكذلك استخدمت في ذلك أدوات داخلية من قوى 14 آذار، حيث أصبحت المحكمة الدولية بالنسبة للمدعو سعد “الحريري” تجارة للوصول إلى أهدافه الخاصة في لبنان، وأهداف الجهة الإقليمية التي انتدبته لهذه المهمة.

الحرب بين فتح وحماس

 ثم تمّ بالتزامن مع الضغط السياسي “من خلال المحكمة الدولية” على حزب الله، صناعة فتنة في غزة بين الفصائل الفلسطينية، من خلال تبنّي جهات عربية معروفة “مصر والسعودية” دعم حركة فتح في غزة على حساب المنتصر في الانتخابات الفلسطينية “حماس” لإحداث فتنة فلسطينية- فلسطينية تؤدّي إلى إضعاف الطرفين وصولاً إلى القضاء على المقاومة الفلسطينية الممثلة بالفصائل المقاومة التي هي أحد أضلاع “محور المقاومة والممانعة”، وعندما لم يفلحوا في إحداث الهدف المطلوب بسبب وعي الشعب الفلسطيني، عمدوا إلى تأمين غطاء عربي لـ “إسرائيل” لشن حرب على المقاومة في غزة لإجبارها على تغيير سلوكها.
 وبعد أن تبيّن لهذا التحالف الغربي- العربي أن كل تلك الوسائل لم تتمكّن من شرذمة الساحتين اللبنانية والفلسطينية عمد هذا التحالف إلى شنّ حرب غير تقليدية على سورية كان قد مهّد لها عبر سنين طويلة لشرذمة الداخل السوري.

البداية من العراق

في البداية كان لابد من تمهيد الأرضية لهذه الحرب الشرسة التي لا تزال رحاها تدور على الأرض السورية، حيث عملت أمريكا من خلال وجودها الطويل في العراق على صناعة أرضية ملائمة لتنظيم القاعدة، وهو أداة أمريكية سعودية بامتياز تخطيطاً وتمويلاً وتسليحاً، فكان لهم ذلك وتمكّنوا من تجنيد عدد لا بأس به من الشباب في العراق تحت المصطلح التضليلي العام وهو “الجهاد”، ولكن على مبدأ جهاد التمدّد الإيراني، فعمل تنظيم القاعدة في العراق على صناعة فتنة سنية شيعية من خلال مهاجمة قرى الطرفين وتسويق الهجوم في الإعلام الصهيوني على أنه انتقامي من طرف ضد الآخر، وهذا كله بتخطيط أمريكي صهيوني وتمويل سعودي إلى أن تمكّنوا من زراعة بذور الفوضى في هذا البلد.
 وقد عمل الإعلام السعودي طوال فترة الاحتلال الأمريكي للعراق على تسويق فكرة أن العراق ليس أرضاً للجهاد ضد الاحتلال الأمريكي، وذلك من خلال عشرات المقابلات التي أجرتها الصحف السعودية مع كل من مفتي مصر الطنطاوي ومفتي الوهابية السعودية عبد العزيز آل الشيخ، وذلك لأن بوصلة الجهاد في السعودية ليست موجّهة نحو “إسرائيل” أو أمريكا أصلاً، بل استخدم الطرفان تنظيم القاعدة في العراق لمنع المقاومة العراقية الشريفة من مقاومة المحتل الأمريكي، وذلك كله تحت ستار أن الواجب الآن هو مقاومة التمدّد الإيراني فحاولوا بشتى الوسائل استدراج السنّة الموجودين في العراق إلى حرب طائفية مع الشيعة تمهيداً لإقناعهم في النهاية بأن “القاعدة” هي النمط الوحيد للجهاد في العالم الإسلامي وجرّهم شيئاً فشيئاً إلى الانخراط في هذا التنظيم.
وفي الوقت ذاته عمل الإعلام السعودي الصهيوني على تعويم النفس الطائفي الموجود في المنطقة وتظهيره، من خلال محطات التحريض الطائفي الكثيرة التي عملت طوال الأعوام الماضية على رفع منسوب الشحن الطائفي والمذهبي في المنطقة العربية خدمة لهدف واحد هو تحويل الصراع في المنطقة من صراع عربي إسرائيلي إلى صراع طائفي سنّي شيعيّ.

التمهيد للحرب

 هنا وفي هذا الجوّ المشحون طائفياً بدأ ما يسمّى “الربيع العربي” من البلدان العربية البعيدة نسبياً عن سورية، فانتهى في تونس بسقوط زين العابدين بن علي، ثم في مصر بسقوط حسني مبارك، ثم في ليبيا باغتيال القذافي وسقوط ليبيا بأيدي مليشيات قبلية متناحرة مستمرة حتى الآن جعلت من ليبيا قاعدة كبيرة لتنظيم القاعدة، وفي اليمن زُرع تنظيم القاعدة بالقوّة حتى لا يتمكّن هذا البلد مطلقاً من التعامل مع السياسة الخارجية، وهذا التسلسل كان ضرورياً للإيحاء بأن الأمر يسير على مبدأ أحجار الدومينو، وأن التغيير سيشمل كل الدول العربية لأنه يقوم أصلاً على مبدأ واحد هو مبدأ الحرية التي يطالب بها المواطن العربي.
 إذن كل ذلك كان مقدّمة للوصول إلى سورية الدولة الأكثر عداء في المنطقة لـ”إسرائيل” والأكثر تهديداً لها، بحكم كونها الحاضن الوحيد لحركات المقاومة في المنطقة والدولة الوحيدة في العالم العربي التي لا تزال تنادي بأهمية التضامن العربي في وجه الإمبريالية والصهيونية، وباختصار هي الدولة الوحيدة التي تعيق مخططات الصهيونية العالمية للسيطرة على المنطقة ومن خلالها السيطرة على العالم.

شرارة الحرب على سورية

 فبعد أن تمكّنت السعودية خلال السنوات العشر الأخيرة من شراء ذمم الكثير من الناس في سورية ولبنان وتشكيل طابور خامس في هاتين الدولتين مضافٍ إلى الطابور الموجود أصلاً في المنطقة، ابتدأت الشرارة الأولى للهجمة مترافقة مع تحريض إعلامي هائل وتزوير ممنهج للحقائق ونشر للكذب والافتراءات، وذلك من خلال فضاء إعلامي ضخم يتم عبره نشر كمّ هائل من الأكاذيب لا يستطيع المتلقي العربي عامة والسوري خاصة تكذيبه، لأنه أتى على لسان مئات الوسائل الإعلامية، وطبعاً بالون الاختبار لهذه البروباغندا كان تسريبات موقع ويكيليكس التي قاست مدى انسياق المتلقي العربي وراء كمّ هائل من المعلومات في وقت قصير، حيث ذهب إلى اعتبار كل ما جاء في تسريبات ويكيليكس صحيحاً، لأن جانباً من هذه التسريبات كان صحيحاً أو توافق مع ما يصبو إليه.
 هذا الهجوم الإعلامي الشرس بالإضافة إلى وجود عملاء على الأرض يسوّقون الفكرة التي يطرحها الإعلام عبر مجموعة ممّا سمّي آنذاك “شاهد عيان” هو في الحقيقة عميلٌ لهذه المحطة أو تلك من المحطات التي هي أصلاً أدوات للمشروع الصهيوني في المنطقة، كان كفيلاً بجذب المتلقي السوري العادي بشكل تلقائي نحو ما يقوله لأن هذا الكم الهائل من التزييف والتضليل المدعوم بالصور المفبركة التي يصعب على المتلقي العادي التأكد من صحّتها، جعله ينساق بشكل مبرمج نحو ما يريده أن ينساق إليه، ولأن هذا الكم الهائل من المعلومات أحدث لدى المتلقي صدمة كبيرة أفقدته التركيز فيما يتعلق بالتأكد من صحة ما يقول هذا الإعلام.
 وكان لابد لهذا الإعلام بين الفينة والأخرى من تطعيم صوره برائحة الدم من خلال عملائه الموجودين على الأرض، فكان يتم تضخيم عدد القتلى بشكل ممنهج لرفع مستوى الشحن لدى المواطن السوري، وإحداث أكبر فجوة بينه وبين الطرف المقابل وهو قوات الأمن، حيث تقوم هذه المحطات بنسبة الدماء المسفوكة في سورية دائماً إلى عناصر الأمن دون الإشارة إلى طرف ثالث، وحتى الشهداء من عناصر الأمن كانت تخرّجهم هذه المحطات على أنهم قتلوا لأنهم رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين السلميين.

من الظلّ إلى العلن

 ثم بعد أن تمكّنت سورية قيادة وشعباً من امتصاص الصدمة وتعرية هذا التضليل وفضحه، عمدت هذه المحطات إلى التحوّل بشكل مكشوف إلى غرف عمليات تصنع الأحداث على الأرض وتسوّقها من خلال أدواتها، واتسعت رقعة هذه الحرب لتشمل كل جوانب حياة الشعب السوري وذلك على شكل حرب نفسية قذرة استخدمت فيها هذه الوسائل أبشع الأساليب للتأثير في المواطن السوري وجعله ينقلب على بلده، فدخلت الحرب على سورية مرحلة أخرى خطرة تمثلت في محاربة المواطن السوري من خلال استهداف المفاصل الرئيسية للاقتصاد السوري وهي قطاع الطاقة والزراعة والليرة السورية، وكل ذلك في تناغم واضح مع السير على الصعيد الدبلوماسي بالتحريض ضد سورية، من خلال الأدوات التي سيطرت عليها قطر والسعودية بأموال البترودولار، ومنها الجامعة العربية التي تم فيها تعليق عضوية سورية لحجب صوتها وتأثيرها في الأعضاء الآخرين، وبالتالي التدرّج في الأمر وصولاً إلى مجلس الأمن ومحاولة استصدار قرارات تتيح التدخل الخارجي في سورية، وذلك عبر الجامعة حيناً ومن خلال مجلس حقوق الإنسان مرة أخرى أو الجمعية العامة للأمم المتحدة أحياناً أخرى، وهذا الضغط عبر هذه المنظمات كان يتم التسويق له غالباً عبر مجازر تقوم بها أدواتهم من تنظيم القاعدة وغيره على الأرض للتأثير في الموقفين الروسي والصيني اللذين بقيا على تشدّدهما في مسألة التدخل الخارجي، وذلك لأن الطرفين يريان فيما يحدث لعبة كبيرة أبعد من مسألة مطالب محقّة للشعب السوري بعد أن قام الرئيس بشار الأسد برزمة من الإصلاحات في فترة قياسية لا يستطيع أي نظام في العالم أن يحققها في الفترة ذاتها.

إعادة إنتاج الأزمة بصور مختلفة

 وهنا نستطيع أن نلاحظ أن كل مرحلة من الهجوم تكون أقسى وأشدّ ضراوة من الأخرى السابقة مع فارق بسيط هو أن اللعبة باتت مكشوفة على الصعيد الدولي، ولم يعُد ممكناً للطرف الآخر أن ينكر وجود أطراف أخرى تتلاعب بالداخل السوري، فبعد افتضاح كل الأوراق لم يعُد هناك مفرٌّ من إعادة إنتاج الأزمة بالأوراق ذاتها مع اختلاف بسيط في طريقة التنفيذ والتسويق، لذلك صارت أوراق التظاهرات السلمية المأجورة وفبركة الأحداث والصور وسياسة العصا والجزرة وسياسة حافة الهاوية، والحرب النفسية بكل أشكالها غير ذات تأثير، واقتربنا الآن من إعلان الطرف الآخر فشل لعبته، ولكنه ينتظر الفرصة للخروج بأقل الخسائر أو لنقل: اتفاق القوى الكبرى على هدنة معيّنة للحرب بانتظار أن تسنح الفرصة لسيناريو آخر يكون أكثر جدوى.

تظهير صورة المشروع

لذلك نستطيع القول: إن معالم المشروع الأمريكي الصهيوني تكشفت بشكل واضح في سورية، وبدا أن هذا المشروع إذا لم يكتب له النجاح هنا فإن هزيمة استراتيجية كبيرة ستلحق بالصهيونية وعملائها في المنطقة وسيترتب على ذلك تغيّر مناطق النفوذ في العالم، وصعود قوى جديدة إلى الساحة الدولية وسقوط أخرى، وبالتالي نستطيع انطلاقاً من هذا تصوّر الأسباب التي تجعل أطراف المؤامرة على سورية تتمسّك بكل ما أوتيت من قوة بخيار إسقاط سورية بأي وسيلة كانت، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار المنطقة بأسرها.

وهنا يظهر جليّاً صعود الدورين الروسي والصيني في العالم، بالتوازي مع أزمة اقتصادية مدمّرة تعاني منها منطقة اليورو وتكاد تطيح بالدول الأوروبية من دائرة الفعل والتأثير في العالم، حيث تجد أوروبا نفسها كالغريق مضطرة للانسياق وراء الرأي الأمريكي القائل: لا سبيل لأوروبا كي تتخلّص من شبح التقسيم والانهيار إلا بدعم مشروع السيطرة على منطقة الشرق الأوسط ونهب ثرواتها، لأنها تشكل الرافعة الحقيقية للاقتصاد الأوروبي، وليس أدلّ على هذه الفكرة إلا تصريح وزير خارجية فرنسا الأسبق آلان جوبيه عند تسويقه فكرة الهجوم على ليبيا، حيث قال: أودّ أن أشير إلى أنه استثمارٌ في المستقبل!.

سيناريو التفتيت للجميع

لذلك ينظر الروس والصينيون إلى الأحداث في سورية وسائر المنطقة على أنها عمل مدبّر للسيطرة على المنطقة ومن خلالها السيطرة على العالم بعد التحكم بمنافذ الطاقة، ما يهدّد الأمن القومي للبلدين، فضلاً عن أن سيناريو التفتيت المخطط للمنطقة يمكن أن يطول البلدين العملاقين ويؤدّي إلى تفتيتهما أيضاً على المبدأ ذاته، لأن البلدين يتكوّنان من أعراق وديانات مختلفة، وبالتالي فإن الصراع هنا على سورية هو صراع على حكم العالم بأسره والتحكّم بمفاصل اقتصاده، إنه صراع في سورية في ظاهره، وفي حقيقته صراعٌ على سورية، لأنها الحلقة الراجحة في ميزان توازن القوى في العالم، ومن يكسب هنا لا بدّ أن يكسب السيطرة على العالم، والخاسر هنا بطبيعة الحال سيخلي الميدان للطرف الرابح.

داعش أمل “إسرائيل” الأخير

لذلك نلاحظ الآن حشد كل الطاقات والأساليب في الحرب على سورية، وخاصة من دول الخليج “الصنيعة التقليدية للغرب”، لأن خسارة الغرب هنا ستلغي كل دور عملائه في المنطقة، وبالتالي ستفتح المجال أمام تغيير استراتيجي كبير في المنطقة العربية يتيح لقوى أخرى الصعود إلى الحكم في الخليج، وذلك بحكم انتصار محور معيّن في الحرب العالمية على سورية.
ومن هنا لم يكن على جميع الأطراف المشتركة في الحرب على سورية والمتضرّرة وجودياً من خسارة هذه الحرب، إلا العمل على إنتاج أنموذج جديد من الحركات الوهابية الإرهابية وهو “داعش”، حيث تمّ إنتاج هذا التنظيم على غرار العصابات اليهودية الشهيرة “آرغون وشتيرن والهاجانا”، وذلك أن هذا التنظيم هو تجميع من أكثر من ثمانين دولة حول العالم، يُراد له على هذا الأساس أن يقوم بتهجير كل مكوّنات المنطقة التاريخية واستبدالها بنمط هجين مرتزق على غرار عملية تجميع اليهود من كل أصقاع الأرض في فلسطين، ويقع على عاتقه تحت ستار ديني وهابيّ مزوّر أن يعمل على تهجير الجماعات البشرية المرتبطة بهذه المنطقة منذ آلاف السنين إما على أساس ديني كتهجير المسيحيين والإيزيديين من العراق وإبادتهم، وإما على أساس عرقي كالعمل مثلاً على حصر الأكراد في نطاق جغرافي معيّن يميزهم “كردستان العراق”، وبالتالي يتم تفريغ المنطقة من سكانها الحقيقيين وإحلال أناس آخرين مكانهم، للحصول فيما بعد على دولة طائفية تمثل مَن قَبِل بمبايعة هذا التنظيم، وهذا ليس من قبيل المصادفة وإنما تحقيق لمبدأ إنشاء دول طائفية أو عرقية متناحرة في المنطقة تبرّر بالنتيجة قيام “دولة إسرائيل اليهودية” من الفرات إلى النيل، بعد أن تتم إحاطتها بكانتونات ضعيفة هزيلة لا تملك أدنى أسباب القدرة على صناعة المؤسسات، فتظهر “إسرائيل اليهودية” بينها كأنها واحة من الديمقراطية بعد أن تقوم هي الأخرى بتهجير كل سكان فلسطين المحتلة من غير اليهود إلى الكيانات الطائفية التي ينتمون إليها.
ومن هنا نفهم إصرار هذا التنظيم على تدمير كل الآثار والمعالم التاريخية التي تشهد على قدم شعوب المنطقة وعراقتها، فحتى تستطيع تبرير قيام “إسرائيل الهجينة” لا بد أن تحوّلَ سائر المجتمعات المجاورة إلى مجتمعات هجينة، وهذا هو في الحقيقة الدور الأكبر الذي يقوم به “داعش” نيابة عن “إسرائيل” في المنطقة، وهو يمثل الخطر الأكبر على شعوب المنطقة ليس لأن التنظيمات الأخرى ليست إرهابية، وإنما لأن سائر التنظيمات الأغلبية فيها من سكان المنطقة الأصليين، بينما يغلب على تنظيم “داعش” العنصر الأجنبي.

لا بدّ أن ينتصر أحد المحورين     

إذن هناك محوران يتصارعان في سورية، محورٌ يضمّ سورية وإيران وقوى المقاومة في المنطقة مدعوم من قوى عالمية كبرى هي مجموعة بريكس “روسيا والصين والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا”، ومجموعة “ألبا” في أمريكا الجنوبية التي تناصب الإمبريالية العالمية ممثلة بأمريكا العداء بشكل تقليدي، ومحورٌ آخر تقوده أمريكا و”إسرائيل” ودول الاستعمار الأوروبي القديم وأذيالها في الخليج والعالم العربي.
ومن هنا نعتقد أن كل ما يجري على الأرض في سورية إنما هو تنفيذ لحرب عالمية بين محورين، وذلك بدايةً لأنها عائق في وجه التمدّد الصهيوني للسيطرة على العالم، ولموقعها الجغرافي المتوسط فيه الذي يجعلها صلة وصل بين قارات العالم القديم، ولوقوعها في منطقة تعتبر خزان الطاقة في العالم، هذا بغض النظر عن كونها مهد الحضارات والديانات السماوية إذا ما أسقطنا الطابع التاريخي وهو مهمّ جداً.
ومن خلال كل ما تقدّم يتبيّن أن ما يجري الآن في سورية، هو في جانب كبير منه تغيير سياسة احتواء سورية والانقلاب عليها، لأن سياسة الاحتواء كانت موجودة طوال فترة التحضير لهذه الحرب كهدف مرحلي، وبعد أن توفرت أدوات الحرب عليها لم يعُد ممكناً الاستمرار في السياسة ذاتها، وهنا لا بدّ أن يتغيّر النظام العالمي بانتصار أحد المحورين، فإما صعود لمحور جديد يتمثل بروسيا والصين وحلفائهما في العالم، وبالتالي انكماش المحور الغربي وعملائه، وإما انتصارٌ لمحور أمريكا و”إسرائيل” وعملائهما وبالتالي فقدان القوى الأخرى دورها في النظام العالمي الجديد.

 

موقع المنار غير مسؤول عن النص وهو يعبّر عن وجهة نظر كاتبه