26-07-2016 10:52 PM بتوقيت القدس المحتلة

"الهبة" المزعومة.. أُعلِن موتها

طوى اللبنانيون صفحة العام 2013، لتُفتح البلاد على صفحات من الإبتزاز السياسي تحت عنوان "الهبة السعودية" التي فرضتها مصالح أصحاب المعادلات الخشبية.


طوى اللبنانيون صفحة العام 2013، لتُفتح البلاد على صفحات من الإبتزاز السياسي تحت عنوان "الهبة السعودية" التي فرضتها مصالح أصحاب المعادلات الخشبية،  قبل أن يُعلن موتها بالأمس!

منذ اليوم الأول، أدرك اللبنانيون أن "الهبة السعودية" لن تعدو كونها أسلوباً جديداً من أساليب الابتزاز السياسي، التي تتقنها مملكة لا تجيد إلا عمليات البيع والشراء في السياسة.
أينما حل المال السعودي حل الخراب. منذ الإعلان عن "الهبة السعودية" كان الهدف بحسب صحيفتي "السفير" و"الأخبار":

-  وضع الجيش اللبناني في مواجهة مباشرة مع "حزب الله".
- إشغال الحزب في معارك الداخل اللبناني، كي تُترك الساحة السورية مفتوحة على مشارع الموت التي ترعاها المملكة السعودية.
- مكافأة  فرنسا لمواقفها ضد كل من سورية وإيران.

وفي آب/أغسطس  ٢٠١٤ أضاف الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز هبة عينية من مليار دولار، الى هبة المليارات الثلاثة لتجهيز الجيش اللبناني عن طريق الفرنسيين حصرا. على هذا الأساس، عاد سعد الحريري فجأة الى بيروت، ليبدأ في ظلال الهبة الجديدة حملة سياسية واعلامية، بدا معها وكأنه رئيس الوزراء الفعلي، حيث كان يجتمع بقادة الاجهزة الامنية والعسكرية، ليخص كل قطاع بحصة من المليار الذي كان الواهب السعودي قد وضعه تحت عنوان "مكافحة الارهاب"، تعويضا عن تعثر هبة المليارات الثلاثة وتأخر تسليح الجيش اللبناني، في ساعات معركة عرسال الحرجة مطلع آب ٢٠١٤.

مضى أكثر من عامين على ليلة الإعلان عن "الهبة" أواخر 20163. من داخل قصر الرئاسة في بعبدا، هتف الرئيس لما تُسمى بـ "السعودية"،  بغبطة هتف ميشال سليمان: "عاشت المملكة العربية السعودية"... وكانت تلك الليلة. لم يُسمع بعدها بـ "الهبة"، إلا في عمليات التهليل والتبجيل التي يمارسها مسؤولون لبنانيون يمتهنون التسول.

أواخر الشهر الماضي، كشفت صحيفة "السفير" أن "الهبة السعودية" ماتت " على مسافة قريبة من وفاة صاحبها الملك عبدالله بن عبد العزيز". وقالت الصحيفة اللبنانية أن أسباب موت الهبة ينبغي "البحث عنها في الخلافات المتفاقمة داخل الاسرة الحاكمة في السعودية حول من ينبغي له أن يمول «الهبة»، سواء من المالية العامة السعودية، أو من ورثة الملك الراحل عبدالله".

وقالت "السفير": "بحسب المعلومات فإن اللبنانيين تلقوا وعودا كثيرة، خلال المراجعات مع الجهة المشرفة على الهبة، لتمويل العقود، وتحرير الارصدة المطلوبة، من دون أن يصل منها سوى الدفعة الاولى، التي لم تتجاوز عشرة ملايين دولار."

أمس الجمعة 19 شباط/فبراير 2016، أعلنت الوكالة السعودية "واس" نبأ إيقاف "مساعدات" إبتزاز الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. كان لا بد لـ "السعودية" تقديم تبرير عن عملية التخاذل التي مارستها بحق المطبلين لها من لبنان. لذا حاول بيان الوكلة السعودية التصويب على حزب الله وموقف لبنان الرسمي في اجتماع وزارء الخارجية العرب الأخير على خلفية ما طال السفارة السعودية في إيران.

لماذا جاء الإعلان السعودي؟

الأكيد أن الموقف السعودي ليس له علاقة بتوجهات ومواقف حزب الله المعلنة منذ قرابة السنة، تحديداً منذ انطلاق عمليات الإبادة في اليمن ببركة المال والهمة السعودية. منذ اليوم الأول لإنطلاق العدوان على اليمن، كان موقف حزب الله معروفاً وواضحاً ضد المملكة السعودية.

في أول يوم على انطلاق العدوان على اليمن، تحديداً في 27 آذار/مارس، أطل أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله  في كلمة متلفزة، ليقول إن "المشكلة الجوهرية هي في عقل النظام السعودي وهي عدم الإعتراف بشيء اسمه شعوب وينظرون إليهم كرعايا"، وعن الدور السعودي في سوريا، قال سماحته: "جلبتم كل وحوش الأرض ليس لنصرة الشعب السوري بل لجعل سوريا تابعا لكن سوريا أرادت أن تبقى دولة مستقلة ".

سلسة المواقف المتلاحقة التي خرجت على لسان الأمين العام لحزب الله كان في الإطار نفسه... فلماذا انتظرت السعودية إلى اليوم لتعلن بصراحة ممارستها الإبتزاز السياسي.

تتعذر "السعودية" اليوم بموقف لبنان الرسمي في الاجتماع الأخير للجامعة العربية، والذي مضى عليه أكثر من شهر. بوقاحة المبتز تطالب السعودية اللبنانيين بموقف إذا ما أُخذ في سياقاته المتشعبة، فإنه لا يسيء إلى "السعودية"... بقدر ما يعبّر موقف وحسابات لبنانية بحتة.

أي حسابات جرّت "السعودية" لإعلان وقفها "هبة" لطالما مُنن بها اللبنانيون، دون أن يطالهم أي فائدة منها؟

إذا ما أخذنا التبريرات الواهية التي سيقت في ما نشرته الوكالة السعودية على محمل الجد، فإنه لمن المعيب أن تطالبنا مملكة لم تتقن حتى اليوم كتابة دستور لها، بأن نكون مجرد مصفقين لجنونها المستفحل في المنطقة.

الأجدى اليوم ببعض المسؤولين اللبنانيين أن ينبروا لتوضيح الصورة أمام السعودي، بدل خوض معارك داخلية نيابة عن أمراء الجنون المستفحل. لبنان، الذي صيغت على سواحله أول حروف الأبجدية، لن يكون يوماً ما مجرد مصفق بالأجرة. للبنان حساباته الخاصة، وكيانه وسيادته التي تُلزم آل سعود قبل غيرهم بأن يحترموا أبجدياتها.