21-05-2019 03:34 AM بتوقيت القدس المحتلة

أوليفييه روا: الإسلام والعلمانية... أي استثناء فرنسي؟

أوليفييه روا: الإسلام والعلمانية... أي استثناء فرنسي؟

يكتسب التحليل حول العلمانية الفرنسية والإسلام جاذبية استثنائية. لا يتوانى صاحب «عولمة الإسلام» عن انتقاد الأطر المرجعية التي تنهض عليها إيديولوجيات اليمين في فرنسا التي تنظر إلى الإسلام كدين «جوهراني» (لا زمني وثابت) غير

طرحت الأحداث الإرهابية التي شهدتها باريس في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي قضايا قديمة جديدة حول اندماج الجالية المسلمة وتقبلها قيم الجمهورية الفرنسية. شدد الإعلام الفرنسي وقادة الدولة، لا سيما في مرحلة الصدمة الأولى، على التذكير بالهوية الفرنسية إزاء الهمجية الجهادية مع تركيز على الفصل بين الإرهاب المعولم والمسلمين الفرنسيين.

ريتا فرج/ جريدة الأخبار

أوليفييه روا: الإسلام والعلمانية... أي استثناء فرنسي؟تعتبر جدلية الإسلام والعلمانية إحدى أبرز القضايا المطروحة اليوم على الساحة الفرنسية. وعلى الرغم من أنها ليست عاملاً طارئاً فقد عادت إلى دائرة الضوء في العديد من الأوساط الثقافية والسياسية الفرنسية.

يُعد «الإسلام والعلمانية» («دار الساقي» ــ ترجمة: صالح الأشمر) للباحث الفرنسي أوليفييه روا المتخصص في الشؤون الإسلامية من الكتب الريادية. صدر بالفرنسية عام 2005 تحت عنوان (la laïcité face à l›islam). يعالج صاحب «تجربة الإسلام السياسي» الإشكاليات التالية: هل يشكل الإسلام تهديداً للعلمانية، أم أن الهوية الفرنسية بلغت من التأزم حدّ أن بضع مئات من الفتيات المحجبات والدُّعاة الملتحين يمكنهم القضاء عليها؟

هل يعتمد النقاش حول الإسلام على المكان الذي يحتله الدين في مجتمعنا، أو أن الإسلام، على الرغم من مظاهر الاستمرار، هو كما يُدرك اليوم دينٌ جديد مختلف ينطوي على تهديد نوعيّ؟ في هذه الحالة، هل يرجع ذلك إلى نوعية اللاهوت المسلم، أم مردُّه، على نحو أكثر اتساعاً، إلى حقيقة أن الإسلام هو دين المهاجرين؟ هل أسهمت المسيحية في إرساء النظام العلماني والسياسي الحالي، حتى وإن وضعت الكنيسة على الهامش، في حين أن الإسلام ممتنع جوهرياً على كل أشكال العلمانية، لا بل الدَّنْيَوة؟

يستخدم روا مفهومين ليسا مترادفين: الدَّنْيَوة والعلمانية. يفسر «الدَّنْيَوة» (sécularisation) بوصفها «ظاهرة اجتماعية لا تتطلب أي استخدام سياسي: وذلك عندما يكفّ الديني عن احتلال مكان المركز في حياة البشر، حتى وإن استمروا في وصف أنفسهم بالمؤمنين. كما أن ممارسات الناس والمعنى الذي يضفونه على العالم، لا تحمل سمة التسامي والديني. وأعلى مراحل الدَّنْيَوة هي زوال الدين، ولكن بلُطف (...) غير أن الدَّنْيَوة ليست ضد الديني أو الأكليروس (...) أما العلمانية، في المقابل، فهي صريحة: إنها خيار سياسي يحدّد بأسلوب سلطوي وقانوني مكان الديني» دون أن «تنبذ الديني بالضرورة في القطاع الخاص، خلافاً ما تفيد به أسطورة شائعة؛ والأحرى أنها تُعيّن، وإذاً تحدِّد، بكل معاني الكلمة، إمكان رؤية الديني في المجال العام».

يتحقق الكاتب من فرضية رئيسة شكلت عماد أطروحته: المشكلة ليست في الإسلام بقدر ما هي في الأشكال المعاصرة لعودة الديني. أعادنا هذا الطرح إلى الأفكار التي تناولتها دراسات «ما بعد العلمانية»؛ وهي اتجاه فلسفي غربي يأخذ في الاعتبار الحيوية المتواصلة للدين وقدرته على اجتذاب قطاعات من الجماهير في كل مكان حتى في الغرب الذي ظن مفكروه أنه هُزم بلا عودة على يد التنوريين والحداثيين. هذه العودة دفعت الألماني يورغن هابرماس خلال محاضرات ونقاشات طُرحت في حدث أكاديمي بارز عام 2009 في مدينة نيويورك، لإجراء مراجعة نقدية لمقولاته السابقة، حين قدم فرضيات مضادة للدين، ولم يبدِ اهتماماً كافياً به.

وفي خلاصاته الجديدة ثمة اعتراف منه بحقيقة أن الدين لم يذبل تحت ضغوط التحديث. (راجع: قوة الدين في المجال العام، هابرماس وآخرون، مركز دراسات فلسفة الدين بغداد، دار التنوير، 2013). يساجل روا المقولات التي ترى أن ثمة تعارضاً بنيوياً بين الإسلام والعلمانية، ساعياً إلى تبيان لِمَ لا يوجد ذلك التعارض في الأديان الأخرى. يخلص إلى نتيجة معاكسة: «لا يوجد دين علماني بين الأديان التوحيدية المُنزلة (...) والفكرة القائلة بأن الدين لا يمكن أن يقتصر على المجال الخاص مشتركة في الأديان الكبرى كافة». يكتسب التحليل حول العلمانية الفرنسية والإسلام جاذبية استثنائية. لا يتوانى صاحب «عولمة الإسلام» عن انتقاد الأطر المرجعية التي تنهض عليها إيديولوجيات اليمين في فرنسا التي تنظر إلى الإسلام كدين «جوهراني» (لا زمني وثابت) غير قابل للاندماج في قيم الحداثة.

لا يهدف من هذا النقد إلى الانخراط في جدال مضاد، إنما يعمل على اظهار مجالات استعمال كلمة العلمانية في فرنسا: العلمانية كفلسفة، العلمانية كنتيجة للقانون، العلمانية كمبدأ أساسي. وإذ يشدد على اللغة المزدوجة لدى بعض النخب الثقافية الفرنسية، يلاحظ أن مساءلة الإسلام على مستوى العقيدة، كدين معادٍ للعلمانية، في حين تعتبر العقيدة المسيحية متلائمة معها، لا تحظى بالصوابية اللازمة على اعتبار أن تلاؤم اللاهوتي من قبل دين ما مع العلمانية لا مبرر لطرحه.

المشكلة ليست في الإسلام بقدر ما هي في الأشكال المعاصرة لعودة الديني

يحدد الكاتب مجموعة مسارات تميط اللثام عن عدم انخراط الكنيسة الكاثوليكية في العلمانية الفرنسية، مستحضراً الآراء التي تحثّ «الإسلام المهاجر» على تقديم ضمانات لانتاج «إسلام فرنسي»، ليبرالي، وعلماني. وتحت وطأة «الإغراء اللاهوتي» تتبلور أشكال جديدة من التدين، ليست كلها مرتبطة بالإسلام: يهودية وإنجيلية بروتستانتية، تحاول جذب الجمهور وتضع الإيمان الديني في المرتبة الأولى. ولعل النتيجة الأهم التي يصل إليها روا –إلى جانب وهم التوافق – حجب الشأن الاجتماعي في الضواحي، وتوظيف العلمانية لتجنب النقاش في الشأن الاقتصادي، وهو تقليد قديم للديمقراطية – الاجتماعية الفرنسية. يرفض الكاتب –إذن- التوجهات التي تعيد أزمة الضواحي إلى الواقع الديني، أي الإسلام.

أوليفييه روا: الإسلام والعلمانية... أي استثناء فرنسي؟إن الآراء الفرنسية – وكذلك العربية- الداعية إلى تفعيل الإصلاح في الإسلام بغية التوافق مع العلمانية، لا تلقى تأييداً من قبل الكاتب؛ فالأمر عنده لا يرتبط بنزعة إصلاحية، لاهوتية، بقدر التكيّف العملي الذي يؤول إلى قبول الدَّنْيَوة عبر الممارسة الحسية للمسلمين.

عرف الإسلام التاريخي الدَّنْيَوة، سياسياً واجتماعياً، فجميع السلطات –على ما يرى الكاتب- كانت دنيوية بمعنى أنها لم تكن معيّنة من الديني. يذهب محمد أركون إلى أن الإسلام في ذاته ليس منغلقاً في وجه العلمانية. فقد شهدت المجتمعات الإسلامية تجارب علمانية شهيرة عبر التاريخ.

عالج المعتزلة -مثلاً - مسائل فكرية أساسية انطلاقاً من ثقافتهم المزدوجة المرتكزة إلى الوحي الإسلامي والفكر اليوناني، واستطاعوا إدخال مسائل لها أبعاد ثقافية ولغوية مغايرة للسائد عند طرحهم مسألة «خلق القرآن»، وعند اعترافهم بمسؤولية العقل ودوره في فهم النص القرآني وامتلاكه. بيد أنّ هذا التيّار «العلماني» تمت مواجهته من قبل الاتجاه الأشعري الممثل يومها للسياسة الرسمية للدولة. (راجع: منزلة العلمانيّة في فكر محمد أركون ودورها في بناء الفكر الإسلامي المعاصر، البشير الحاجي، موقع مؤمنون بلا حدود).

يرصد الكاتب أشكال التدين الجديدة- الأفضل تكيفاً مع العولمة- في الغرب الذي عرف منذ عشرين سنة ما سُمِّي بــ «عودة الديني»، من دون أن يؤدي ذلك إلى زيادة الممارسة الدينية وخصوصاً ظهور أشكال «تمامية» للتديُّن. أشكال التدين هذه درسها روا في «الجهل المقدّس: زمن دين بلا ثقافة» (دار الساقي، 2012) حيث حلَّل التحولات التي تشهدها الأديان الكبرى في العالم، بدءاً بالهوية والعرق والإقليم والتهجين، وصولاً إلى مشاكلة دينية عابرة للقوميات. تمظهرت أشكال التدين بصور مختلفة لدى الديانات التوحيدية (استقطابات دينية/ هوياتية، وتسييس منهجي للديني) وتنامت تحت ضغط العولمة، وهي تساهم في تراجع الاتجاه الثقافي للدين على عكس المؤسسات الدينية التقليدية، وثيقة الصلة بالدولة- الأمة والثقافات المحلية.

يكتسب «الإسلام والعلمانية» أهميته الراهنة من معطيين: العودة الدورية لأسئلة الإسلام ومدى توافقه مع قيم الجمهورية الفرنسية؛ وتقديم مقاربة علمية تتجاوز التحليلات التقليدية المعتادة.