26-09-2017 04:51 AM بتوقيت القدس المحتلة

العروبة .. بين نسور المواجهة ونعام الذلّ!

العروبة .. بين نسور المواجهة ونعام الذلّ!

كلمة وزير الخارجية العراقي ابراهيم الجعفري في مؤتمر وزراء الخارجية العرب بالقاهرة ليست مُرتجلة، ولا هي وليدة التطورات الأخيرة سواء في العراق أو سوريا أو اليمن

أمين أبوراشد

 كلمة وزير الخارجية العراقي ابراهيم الجعفري في مؤتمر وزراء الخارجية العرب بالقاهرة ليست مُرتجلة، ولا هي وليدة التطورات الأخيرة سواء في العراق أو سوريا أو اليمن، لأن المواقف القومية للشعب العراقي لها تاريخها منذ نكبة فلسطين، مروراً بكل نكبات العرب وأدائهم المُخزي من القضية التي يجب أن تجمعهم، وانتهاءً بحركات المقاومة في مواجهة الكيان الصهيوني، بدءاً من المقاومة الفلسطينية وانتهاء بحزب الله والصفحات المضيئة والمشرِّفة للمقاومة اللبنانية.

 إن نُطق الوزير الجعفري بالحق وقوله "إن الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله بطلٌ عربي مدافع عن القيم والمبادئ وقدَّم ابنه على مذبح الوطن"، وقوله "من يتهم حزب الله والحشد الشعبي بالارهاب هو الارهابي، وهذا التعدي ليس فقط تعدٍّ على الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان، بل هو تعدٍّ على المقاومة التي اقتدت بها كل بلدان العالم وسبقت كل الثورات بالعالم".

والوزير الجعفري في كلمته حاكى الواقع العراقي كما هو، والثقافة الوطنية الجامعة التي يتوارثها شيعة العراق في خطابهم الوطني أولاً، وثانياً في أدائهم العملاني سواء عبر مرجعياتهم الدينية، أو قواهم المتأهبة دوماً على الأرض، من لواء أبو الفضل العباس الذي ينتفض لدعم الجيش الوطني متى لامست المخاطر العاصمة بغداد، أو قوات الحشد الشعبي التي دمجت نفسها مع عشائر الأنبار لتحرير المدن والقرى قبل أن تهبّ الأحقاد الوهَّابية وتجيِّش بأن أي انتصار للحشد الشعبي سوف تقطف إيران ثماره.

 وإذا كانت العروبة المعاصرة حالياً محكومة بقيادة سعودية وتبعية خليجية، فإن استمرار تغييب دور مصر بعد استتباب الوضع السياسي فيها هو مقصودٌ ومتعمَّد، ولا تستطيع مصر التي تعاني من تدهور اقتصادي متمادي، وفقدان العملة الصعبة والأدوية والسلع الضرورية من الأسواق، وتعتمد في محاولات انعاش اقتصادها على استثمارات خليجية، وودائع و"مكرمات" سعودية أعجز من أن تسدّ الرمق في دولة التسعين مليون نسمة، وجائزة الترضية التي أعطيت لها بتزكية أحمد أبو الغيط أميناً عاماً للجامعة العربية بدلاً من نبيل العربي، تعود أسبابها ليس لإرضاء مصر بل محاولة لإرضاء "إسرائيل" حليفة "دول الإعتدال العربي"، والشعوب العربية التي لم تنسَ تاريخ أحمد أبو الغيط في العلاقات المعلنة مع "إسرائيل"، وجلوسه عام 2008 الى جانب تسيبي ليفني بصفته وزير الخارجية المصرية، ليكون شاهداً عربياً على إعلان الحرب الصهيونية على غزة، لم تنسَ أيضاً مشهدية الإذلال لأحمد أبو الغيط عندما قصد المسجد الأقصى للصلاة وانهال عليه المصلُّون رجماً.

أحمد ابو الغيط، الذي بارك العدوان على غزة، وقال يومذاك مثنياً على إعلان ليفني: سأقطع كل رجلٍ تطأ أرض مصر، في إشارةٍ الى قرار إغلاق معبر رفح بوجه فلسطينيي غزة، في الوقت الذي كانوا يتعرضون فيه لأقسى الضربات وكان نظام مبارك شريكاً مباشراً في هذه الحرب.

أحمد أبو الغيط نفسه، افتتح ولايته أميناً عاماً للجامعة العربية، بأن ارتضى أن يكون شاهد الزور على نحر بقايا من كرامة العروبة، وصدَّق وصادق على اعتبار حزب الله منظمة إرهابية، فصفَّقت له "إسرائيل" وأثنت عليه المملكة الوهابية التي تعيش خيبات اليمن والعراق والهدنة السورية واستكملت عدائيتها بقرارٍ يُدين ويُلاحق قضائياً كل مواطن سعودي تثبُت مناصرته لحزب الله.

ويصحّ القول أن السلطة الحالية في المملكة الوهابية قد دخلت مرحلة "جنون الرحيل"، وما يحصل في جنوب اليمن من سيطرة شبه كاملة لداعش والقاعدة، يمهِّد لحربٍ ضارية مع منظمات الحراك الجنوبي المُطالبة بالإنفصال عن الشمال، وقد أدَّى التحالف السعودي دوره في تدمير اليمن وذبح شعبه الفقير بشيوخه ونسائه وأطفاله، ويبقى على السعودية أن تصدَّ الهجمات اليمنية عن تجمعات مرتزقتها في الداخل اليمني، وعن جيشها وشعبها في الجنوب السعودي، وأن تقرأ جيداً ماذا حلَّ بمشاريعها في سوريا، وبكل التحالفات الورقية التي وقَّعتها والمناورات التي أهدرت المليارات لإجرائها بهدف العدوان المباشر على سوريا، وجاءت الهدنة المقررة روسياً والمُصادق عليها أميركياً وأممياً لتبدِّد كل الأحلام والأوهام.

 وإذا كان السعوديون عاجزون عن استشراف المستقبل، وأن داعش قد قُصِم ظهرها في سوريا والعراق ويمَّمت شواطىء سرت الليبية وتتمدَّد هناك نحو إفريقيا، وأن الإرهاب الذي لامس ساحل العاج هو نفسه الذي ضرب تركيا للمرة الثالثة خلال ستة أشهر، وانه سيرتد على صانعيه ومُموِّليه، وأوروبا بدأت تدفع أثمان ارتدادات ما يحصل في سورية، وباتت وحدة الإتحاد الأوروبي مهدَّدة ونظام "شينغن" معطَّل جزئياً حتى إشعارٍ آخر، وأن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، دفعت ثمناً سياسياً في انتخابات برلمانية ببعض الولايات، نتيجة تسامحها وانتهاجها سياسة "الباب المفتوح" أمام اللاجئين، إذا كان السعوديون عاجزون عن قراءة كل هذا الآتي، فإنهم مدعوون على الأقل لقراءة الماضي علَّهم يتَّعظون ويفرملون تهوُّرهم.

في أيار/ مايو من العام 2013، قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري لنظيره الروسي سيرغي لافروف: "أميركا قررت الإستدارة في الشرق الأوسط، لكنها ليست دراجة لتستدير بسرعة، إعتبروها شاحنة وأمهلوها بعض الوقت لإجراء الإلتفافة".

وإذا كانت أميركا قد أقرَّت بهزيمتها أمام روسيا، وأمام إيران - ما قبل النصر النووي -، وأمام محور المقاومة، فعلى أدوات أميركا والسعودية في طليعتهم، الإعتراف بالهزيمة والتوقُّف عن المكابرة رغم الخيبات، وإذا كان خيار ملوك الرمال ونعام الذلّ جامعة عربية على قياس عمالتهم، فإن بعض الأنظمة العربية والشعوب الكريمة، بأحزابها ونقاباتها وتكتلاتها، قد حسمت خياراتها بعد خمس سنوات من "ربيع الإنتحار العربي"، وخيارات المقاومة اثبتت واقعيتها ومصداقيتها وجدواها، وما على النعام سوى طمر رؤوسها في الرمال ولتترك للنسور سماء المواجهة...