16-07-2019 03:20 AM بتوقيت القدس المحتلة

اليوم التالي بعد مهاجمة إيران

اليوم التالي بعد مهاجمة إيران

يحتدم الجدل في الكيان الصهيوني حول الثمن الذي ستدفعه إسرائيل في حالة ضربها للمنشآت النووية الإيرانية


فايز رشيد - القدس العربي

 

يحتدم الجدل في الكيان الصهيوني حول الثمن الذي ستدفعه إسرائيل في حالة ضربها للمنشآت النووية الإيرانية، فمن وجهات النظر المختلفة هناك يمكن إيجاد القاسم المشترك للآراء المتمثل في التالي: أن صواريخ كثيرة ستنهمر على إسرائيل بعد الضربة (50 ألف صاروخ) لكن القبة الحديدية التي أنشأتها إسرائيل ستوفر غطاءً قوياً لها (غيورا آيلاند مستشار الأمن القومي الإسرائيلي سابقاً وآخرون في حديث لراديو إسرائيل الأسبوع الماضي). أيضاً من القواسم المشتركة للآراء: أن الصراع في سوريا يقضي على أية فرصة لوقوف دمشق بجانب إيران، في ظل انشغال الرئيس بشار الأسد الشديد بالصعوبات التي تواجهه بحيث لا يستطيع تقديم المساعدة لغيره ( عاموس يادلين رئيس المخابرات العسكرية سابقاً ورئيس معهد دراسات الأمن القومي وآخرون)، وأن حزب الله سوف لن يقوم بقصف إسرائيل (محللون كثيرون) اعتماداً على أنه لم يفتح جبهة أثناء العدوان على قطاع غزة في عام 2008-2009 واعتماداً على ما سبق أن قاله سماحة السيد حسن نصر الله "من أن طهران لن تطلب مساعدة الحزب إذا هوجمت". لذلك فإسرائيل تبني خططها على أساس افتراض أن حزب الله لن يتدخل في ردود الفعل.
 
الإستراتيجيون الإسرائيليون يحاولون التخفيف كثيراً من ردود الفعل، وتبعات قصف المنشآت النووية الإيرانية، دون أن يعتمدوا تحليلا سياسيا مقنعا، وهم متوهمون كثيراً بقدرات إسرائيل العسكرية، اعتمادا على تاريخها في غالبية الحروب التي انتصرت فيها على الدول العربية. هذا من الطبيعي أن تجد مثل هذه التحليلات، فعقلية الغطرسة والعنجهية والصلف لا تنتج سوى أوهام الانتصار، وعدم رؤية صراعات الواقع، وعدم القراءة الموضوعية للتغييرات السريعة في الدول العربية أولاً، وعلى صعيد المنطقة ثانياً، ولا المتغيرات على الصعيد الدولي أيضاً.
 
عربياً: هناك الربيع العربي الذي لم يحسم أمور بلدانه بعد، فالاحتمالات الكثيرة مفتوحة على مصاريعها، ولم تنتج بعد أوضاعاً مستقرة في بلدان الحركات الاحتجاجية العربية (وليس بلدان الثورات العربية كما توقعنا)، عامل الضبابية في هذه البلدان لا ينفي بأي شكل من الأشكال ارتفاع وتيرة العداء لإسرائيل في هذه البلدان، فمهاجمة إيران ستمثل توريطاً للولايات المتحدة وللدول الغربية للتدخل، بسبب إمكانية إغلاق إيران لمضيق هرمز، وهو ما كانت قد هددت به مراراً. ماذا يعني ذلك؟ يعني: ضرب شريان حياة إمداد أوروبا والعالم والولايات المتحدة بالنفط العربي، بالتالي فإن من الصعب تحديد أطراف الاشتباك القادم، لكن من الواضح أن الجماهير العربية في أكثر من بلد عربي مؤثر، ستتحرك ضد العدوان الصهيوني أولاً، وضد التدخل الأجنبي ثانياً، منطلقةً من ضرورة الرد على إسرائيل، وليس بإمكان أنظمة هذه البلدان سوى التفاعل مع الحركة الجماهيرية العربية.
 
من زاوية ثانية: فإن أحد المخارج للأزمة السورية ستتمثل في ضرب إسرائيل، والحالة هذه فإن الاحتجاجات الجماهيرية السورية ستتنحى لصالح الصراع مع العدو الصهيوني، وفي تقديرنا فإن النظام في سوريا يدرك أبعاد وتداعيات العدوان على حليفته الأساسية إيران. بنفس الأسس يمكن ترقب ردود حزب الله أيضاً، فقصف المنشآت النووية الإيرانية ستمثل بالنسبة لطهران مسألة حياة أو موت، بالتالي هي وحليفتاها الرئيسيتان ستقوم بأعنف رد لديها، وسوريا وحزب الله وإيران سبق وأن وقعت تحالفاً دفاعياً فيما بينها في العاصمة السورية. لقد سبق لأمين حزب الله أن وعد بأن أي عدوان إسرائيلي على لبنان سيعني: الحديث عن إزالة إسرائيل، وعن تغييرات أساسية في الشرق الأوسط ستحدث. من السهولة بمكان على قوى كثيرة جر إسرائيل لقصف لبنان، إن القبة الحديدية (الدرع الصاروخي) الإسرائيلي سبق وأن جرى اختباره فلم يكن فاعلاً في تدمير الصواريخ البدائية التي تنطلق أحياناً من غزة، فكيف به سيدمّر صواريخ حديثة وطويلة المدى؟
 
من التداعيات للعدوان الإسرائيلي على إيران أيضاً، أن الأخيرة ستقوم بضرب أهداف أمريكية في البلدان العربية والأخرى المجاورة كأفغانستان مثلاً وربما في تركيا وغيرها، وبالتالي من الصعوبة بمكان وضع سيناريو محدد للتداعيات على قصف المنشآت النووية الإيرانية. إسرائيل تتصور أن التعارض أو (الصراع مثلما تسميه) السني-الشيعي في الداخل العربي في بعض الأحيان سيخلق حالة من الارتياح لدى السنّة في حالة قيامها بقصف المنشآت النووية الإيرانية، ذلك أن النظام الرسمي العربي بدأ في خشية إيران. هذا جانب، لكن الجانب الذي لم تحسبه إسرائيل أن الجماهير العربية بسنييها وشيعييها ستتحد في مواجهة إسرائيل، التي قد تنجح في ضرب المنشآت الإيرانية لكنها لا تتصور التداعيات المفتوحة الكثيرة لذلك، الأمر الذي سيفتح الأبواب أمام ردود إيرانية قد تكون أخرى عربية، بناءً على الرد لإسرائيلي على هذه الردود.  
 
على صعيد المنطقة: مما لا شك فيه أن جزءاً من الحنق الإسرائيلي الشديد على إيران ينبع أيضاً من أن الأخيرة طرحت نفسها بقوة مؤخراً كقوة إقليمية في المنطقة وذات تأثير كبير فيها. من القوى الإقليمية التي برزت أيضاً وما تزال: تركيا، لذلك بدأت حساسية إسرائيلية من كلتا الدولتين... مع تركيا عبّرت عن نفسها بمجموعة حوادث ساهمت كلها في إيجاد تناقض إسرائيلي-تركي، عبّر عن نفسه بمظاهر مثل: حادثة استقبال السفير التركي في وزارة الخارجية الإسرائيلية، السفينة مرمرة، حادثة انسحاب أردوغان من المنصة حين لم يسمح له بالرد على أضاليل الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، تجميد المناورات العسكرية المشتركة بين الجانبين وغيرها. إسرائيل سعت منذ إنشاء دولتها الصهيونية للوصول إلى وضع القوة المهيمنة الوحيدة في الشرق الأوسط بالمعاني: السياسية والعسكرية والاقتصادية (مشروع الشرق الأوسط الجديد). إيران سيزداد وزنها الإقليمي إذا ما وصلت إلى السلاح النووي. بالتالي فإسرائيل تهدف إلى درء الأخطار عن أمنها (مع أن أي طرف لن يستعمل القنابل النووية ضد الآخر والحالة هذه، تماماً كما كانت الحال إبّان الحرب الباردة)، وتهدف أيضا إلى قصقصة أجنحة إيران لمنعها من الوصول إلى قوة إقليمية تتوازى في تأثيرها مع إسرائيل التي تمتلك منذ عشرات السنين أكثر من 300 رأس نووي، دون أن يتحدث عن ذلك أحد، حتى ولا الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولا الأمم المتحدة ولا أي من وكالاتها، وكأن ما هو مسموح لها محرّم على غيرها.
 
دولياً: نحن في متغيرات دولية أساسية، فانفراد القطب العالمي الواحد بالساحة الدولية، والذي ساد لما يقارب الثلاثة عقود، مضى، ونحن الآن أمام وقائع جديدة عنوانها: قوتان رئيسيتان عظميان هما روسيا بوتين والصين تفرضان نفسيهما على الساحة الدولية، فالأولى أدركت مخاطر تفرد القوة الأمريكية بالأوضاع العالمية: الدرع الصاروخي الذي نصبه الناتو في الدول المجاورة لروسيا، أحداث ليبيا وتدخل الناتو فيها. عدم السماح بتكرار الأمر في الأزمة السورية، الحرب الروسية-الجورجية وغيرها من الأحداث. من جانبها خرجت الصين بعد سنوات طويلة من التمسك بالدبلوماسية الهادئة والخفر العذري في التعامل مع الغرب، لتكشر عن أنيابها (الموقف من الأزمة السورية).
 
إسرائيل وقادتها العنجهيون الصلفون ينطلقون في تعاملهم من خلال مبدأ القوة، وبفاشيتهم لا يختلفون عن فاشييي التاريخ، لذلك من السهولة بمكان على هؤلاء الأغبياء اقتراف الحماقات الكبيرة. ربما يتصورون إمكانية بدء الحرب لكنهم بالتأكيد لا يتصورون كيف تكون النهاية، وهي ستتجاوز كل تقديراتهم، وربما كان هذا سبباً رئيسياً لمحاولات إسرائيلية حثيثة لتوريط الولايات المتحدة وعموم الدول الغربية في تبعات قصف المنشآت النووية الإيرانية.