17-12-2018 07:13 PM بتوقيت القدس المحتلة

سمير جعجع... قاتِل خليله الكافر

سمير جعجع... قاتِل خليله الكافر

تحتفل القوات اللبنانية بذكرى شهدائها في ظروف لم يسبق لرئيس القوات سمير جعجع أن حلم بأفضل منها. وقد مرّت على جعجع في القوات نحو أربعة عقود عاصفة تغيّرت خلالها القوات، وجعجع نفسه.

غسان سعود

تحتفل القوات اللبنانية بذكرى شهدائها في ظروف لم يسبق لرئيس القوات سمير جعجع أن حلم بأفضل منها. وقد مرّت على جعجع في القوات نحو أربعة عقود عاصفة تغيّرت خلالها القوات، وجعجع نفسه. ساكن معراب اليوم هو غير الطفل البشراوي الحالم، وغير قائد القطّارة الحازم، وغير خليل الكافر الذي غالباً ما حاول جعجع الظهور بمظهره.

لم يكن بإمكان المراهق البشرّاوي قراءة قصة خليل الكافر قبل نحو خمسين عاماً في أرواح جبران خليل جبران المتمردة، دون تأثره أشد التأثّر، يروي سمير جعجع. فعلت تلك الرواية عن «قصور الحكام (التي) بنيت فوق بقايا آبائكم وأجدادكم» فعلها بالمراهق المقيم في منزل بغرفة واحدة في حي المجادلة بالشياح، متعلماً في دار المسنين الموارنة. ولم تلبث كلمات خليل الكافر عن الرهبان الذين هم رجال «نزعوا عنهم الإرادة والفكر، وباتوا آلات عمياء خرساء فاقدة الحس» أن طنّت في أذنه حين زار بشري، وصدم باضطرار والده إلى العمل معاوناً أول في فرقة الجيش اللبناني الموسيقية لتأمين عيشه وشقيقته وشقيقه، رغم عظمة الأراضي الزراعية هنا والثمار. وكان يمكن جعجع الجلوس في النقطة نفسها التي سبق لجبران أن جلس فيها، قارئاً بصوت عال ما كتبه الأخير: «لماذا يأكل الشيخ عباس خبزه مجبولاً بعرق جبينكم ويشرب خمره ممزوجاً بدموعكم، طالما قال الله للانسان الأول، بعرق جبينك تأكل خبزك؟».

حمل الطفل البشراوي المشاغب قصة جبران عن سجن الكافر وجوعه وعطشه وعذابه وجلده وتحمّله السخرية إلى مدرسته التكميلية الجديدة Ecole Benilde وكل من يلتقيه. يروي المطران فرنسيس البيسري في «بين المطران والحكيم» أن «الشاب البشراوي يحمل المسبحة ويصلّيها، مثل أجداده، في الطريق وعلى السطح وفي الكنيسة». فها هو ذا مراهق جدي يجعله الإيمان أكبر من عمره في الشكل، أما داخله فيختلج بالنقمة على الإقطاع السياسيّ والاقتصاديّ والدينيّ. لم ينطلق جعجع من عائلة سياسية أو أسرة ثرية أو نجاحات مهنية؛ فقط رواية: قصة متخيلة.

بعد توجهه صوب حزب الوطنيين الأحرار عملاً بجو أسرته العام، غادر مسرعاً لخشيته من أن يخنق الاقطاع العائليّ في الحزب خليل الكافر فيه. ولم يكن أمام المتعلم في مدارس مارونية، متنقلاً بين بشري وعين الرمانة، غير الأحرار والكتائب. فانتقل إلى الأخير، ولم يلبث في السادسة عشرة من عمره أن قبض على الخلية الحزبية في مدرسته، وبدأ يتردد على المبنى التابع لمصلحة طلاب الكتائب في رأس بيروت. ولو لم تكن مدرسته تعج بالنازحين الموارنة الفقراء عند خط تماس لا يصمد بغيرهم، لما كان حظي جعجع بالاهتمام نفسه في حزب الكتائب. بينما يتذكر أحد المسؤولين الكتائبيين المتقاعدين تميّز الفتى البشراوي عن زملائه الكتائبيين بصغر سنه طبعاً وبتدوينه ما يقصه جوزف أبو خليل عليهم عن تاريخ الحزب، وأنطوان نجم عن فلسفة العقيدة الكتائبية.

لاحقاً، تتذكر بشري محاولته إنشاء فرقة قتالية في تلك المرحلة، على أنقاض فرقة بشري الموسيقية التي كان يقودها، اثر التمدد الفلسطيني، فازداد سعيه جدياً منذ عام 1978 بفضل الدعم المالي والمعنوي له من مسؤول محافظة الشمال في الكتائب الشيخ يوسف الضاهر (والد رئيس مجلس إدارة المؤسسة اللبنانية للإرسال بيار الضاهر). وبحسب أحد الكتائبيين فإن الشيخ بيار الجميل لم يكن معجباً بالشيخ يوسف الفاحش الثراء الذي ينادي رئيس حزبه «بيار»، من دون ألقاب، في اجتماعات الكتائب الموسعة، ويظن أن الديمقراطية الكتائبية يمكن أن توصله إلى عرش الصيفي. أما شغف الضاهر الأب بجعجع فلا يزال سراً حتى بالنسبة لبيار الضاهر. والشيخ يوسف هو مَن اقترح على قيادة حزبه تعيين جعجع مسؤولاً عسكرياً عن الشمال، وفقاً لأحد المطلعين الكتائبيين.

في حوار نشرته «العمل» بتاريخ 3 حزيران 1988، يقول جعجع إنه كان يقضي إجازته الصيفية تموز 1976 في بشري «عندما قرعت الأجراس تنذر بسقوط شكا وتنبه من أن الفلسطينيين في طريقهم إلى بشري، فوجد نفسه وآخرين في طريقهم نحو شكا».

حتى 13 حزيران 1978، لا أحد من كتائبيي العاصمة، باستثناء قلة قليلة نشطت في مصلحة الطلاب، كان قد سمع بسمير جعجع. في ذلك التاريخ خرج اسم جعجع إلى العلن. أول مرة سمعت بيروت والمتن وكسروان وجبيل بذلك الاسم أتى ملحقاً بالوصف التالي: قاتل طوني فرنجية وعائلته. لم يتجاوز عدد الشماليين المرافقين لجعجع في تلك العملية الخمسة عشر مقابل نحو ثلاثمئة كتائبي من المناطق الأخرى. ولم يكشف حتى اليوم عن دور جعجع الحقيقي في المذبحة، في ظل وجود قادة يتقدمونه مرتبة، وإصابته عند بدء الهجوم. وسط معلومات عن استدعاء بشير لجعجع من الاميركية كي يبلغه قرار العملية. أما في كتابه « مجزرة إهدن أو لعنة العرب المسيحيّين»، فينقل الصحافي الفرنسي ريشار لابيفيير عن ضابط في الموساد قوله له إن «عملية إهدن كان لا بدّ أن تُعهد إلى رجل حازم يجعل منها قضيته الخاصة. فاقترح الموساد اسم جعجع لأنه من بشري أولاً (الجغرافيا مرة أخرى) وقد ترعرع على العداوة لأهالي زغرتا والريبة منهم. ولأنه، ثانياً، يعتبر أنّ «مارونيته» وسيلة لقلب سلطة العائلات الكبيرة. وثالثاً لبحثه عن سبيل يُلمع نجمه عسكرياً». لو قرأ الضابط الاسرائليي قصة خليل الكافر، لاختصر عبارته قائلاً: اخترنا جعجع لحاجة مشروعنا إلى خليل الكافر. فلم تكد تلبس الجريمة جعجع، ويلبسها، حتى طافت الخلية الجعجعية في الشمال تصف الجريمة بأنها ضربة للاقطاع الزغرتاوي المتمدد بتروناً وعكاراً. في ظل تفرج القوات السورية (الرابضة مع استخباراتها في الشمال) على المجرمين، وتأخير إعادة انتشارها ريثما ينسحب جعجع ومن معه.

بعد إهدن، اقتصرت زيارات جعجع إلى بيروت على مشاركته في اجتماعات ماديس الجميل أسود التثقيفية واللجنة التي ضمته والعماد ميشال عون وأنطوان نجم كي تقدم إلى بشير الجميّل اقتراحات في شأن اللامركزية. أما شمالاً، فركز على استقبال النازحين الكتائبيين من قرى الشمال المَرَديّ واستقطاب كل من يختلفون مع بشير الجميل، مشكلاً فرقته القواتية الخاصة. كان النائب السابق نادر سكر ظله وأكثر. غسان منسى إلى يمينه وغسان توما إلى يساره، لا يفارقانه ثانية. وعلى المسافة ذاتها بيار الضاهر من جهة وراجي عبدو الملقب بـ«الكابتن» من الجهة الأخرى. وانضم لاحقاً إلى هذا السداسي أكرم أو رئيس شعبة المعلومات والتجسس في القوات بيار رزق. ومع اقتناع الكتائبيين أن بشير الجميل ذاهب لا محالة إلى رئاسة الجمهورية، بدأ جعجع يعد العدة للحلول محله في قيادة القوات اللبنانية، متجاهلاً أن هناك 10 قادة يتقدمونه على الأقل في هرمية القوات، وأن بشير قد عيّن، قبل شهرين من انتخابه رئيساً، فادي افرام قائداً للقوات.

لكن جعجع كان الوحيد الذي يملك خطة الوصول، وخطاباً كتبه قبل نحو تسعين عاماً جبران خليل جبران لخليل الكافر. مثالي جداً ويؤثر في المقاتلين الذين هجروا منازلهم البعيدة أو تهجروا منها. وفي دير القطارة تمادى الأخير، بحسب أحد رفاقه، في الاضطلاع بدور المقاتل المؤمن المتقشف، فأحاط جدران مكتب قيادته العسكرية بالكتب الفلسفية، وزرع بين كل عشرات المقاتلين راهباً، فارضاً على المقاتلين الالتزام بالشعائر الدينية في الثكنات كما لو أنهم رهبان في أديرة. مشكلته الوحيدة أن خطابه الثوريّ كان يدغدغ مشاعر المزارع والعامل والتاجر للانتفاض على الطبقة السياسية _ الطائفية في الشمال والجنوب والبقاع وقلة قليلة من جامعيي جبل لبنان المنتشين ببشير الجميل غير مبالين بطبيعته الإقطاعية أو غيرها من «التفاصيل».

بين كتب جعجع المؤمن بالنظريات عن «ظهور المسيح في التاريخ»، واحد لنيتشه يقول فيه إن «المدن العظمى جحيم الأفكار السامية، حيث تهترئ كل عاطفة شريفة وتقوم الرذائل والشهوات. إن ما يجري في عروق المدينة إنما هو دم فاسد! فلنبصق على المدن الكبيرة لأنها مزبلة تتراكم فيها القاذورات (...)». في ظل تفضيل جعجع لتيار دو شردان وشارل مالك وهيغل على نيتشه.
يوم انتخب بشير الجميل لاحقاً رئيساً للجمهورية كانت القوات اللبنانية حزباً قائماً بنفسه وليس لجعجع موطئ قدم فيها بعيداً عن ثكن الشمال العسكرية. ولم يكد يمضي 24 ساعة في زحلة (التي تغدق عليه اليوم الأصوات والنواب) التي بلغها سيراً عام 1980 حتى عاد إلى الشمال. ولم يكن بشير قد دعاه مرة إلى اجتماعات المجلس الحربي الجدية أو استشاره في معركة.

وحين اغتيل بشير، خلفه في قيادة القوات فادي افرام ففؤاد أبو ناضر الذي سيُتّهم جعجع بمحاولة اغتياله لاحقاً، من دون أن يحسب أحد من المسؤولين الكتائبيين حساباً للعسكريّ الشماليّ. «ليس فقط لم يكن موجوداً في حسابات الكتائبيين، يقول أحد صنّاع تلك المرحلة، بل لم تكن علاقته جيدة بأحد من المحيطين، سواء ببيار الجميل أو بشير أو أمين». ويتابع : «رغم إمكان التقرب في تلك المرحلة من بشير بمجرد شتم أمين أو العكس، كان جعجع متأثراً بخليل الكافر، «برّياً» مع الاثنين، لا يتردد في مجالسه الخاصة عن الكلام بسلبية شديدة على الإقطاع المتمكّن من حزب الكتائب نفسه وعلى البورجوازية الصغيرة التي يحيط كل من أمين وبشير نفسهما بها.

حتى أن قرار قادة الثكن خلال اجتماعهم في 28 كانون الأول 1982 الساعة السابعة مساء بإرسال جعجع إلى الشوف كان يرتبط بمعرفتهم أن المعركة خاسرة من جهة وببحثهم عن قائد عسكري لا يضرهم احتراقه بنيران المعركة الخاسرة من جهة أخرى، على حد قول أحد أعضاء المجلس الحربي. ولم يفعل جعجع عملياً في الجبل، يقول أحد شهود التهجير، أكثر من تنظيم النزوح، وتجميل الهروب، بعد صمود جبهة بحمدون في قيادته 72 ساعة في مواجهة الحركة الوطنية. أما في دير القمر، فكثف جهوده لإقناع المحاصَرين معه أنه خليل الكافر المنتظر.

عام 1983 أقنعه بعض المقربين أن في الحياة السياسية سلماً لا بدّ من تسلقه، فتناسى أحلامه المجيدة قليلاً وترشح مع ألفرد ماضي وكريم بقرادوني لعضوية مكتب الكتائب السياسي. ولكن، ولأن حضوره في الحزب كان خجولاً وقيادة الحزب لا تحبه، خسر جعجع (بعدما تساوت اصواته مع اصوات الفرد ماضي الذي تأهّل بفارق السن). فلم يطل التفكير: اقترح على إيلي حبيقة احتلال بيوت الكتائب وطرد الجميليين. رفض حبيقة متذرعاً باستحالة حفاظهم على كراسيهم في الصيفي أو غيره ما دام مؤسس الحزب بيار الجميل على قيد الحياة، مردداً وبقرادوني أن أقرب المسلحين إليهما سيؤدون التحية لبيار الجميل ويمتثلون لأوامره في حضورهما. واللافت أن عمل الثلاثي بقرادوني في السياسة والإعلام، جعجع في العسكر وحبيقة في الأمن، جنباً إلى جنب، لم يحل دون إحاطة جعجع نفسه بأهم الأمنيين من جهة وإبقاء ذراعه الإعلامي والمالي حاضراً في صفقات بقرادوني. الأمر الذي يتيح لأحد أصدقاء جعجع السابقين الانتباه الآن إلى تلك الميزة الغريبة في جعجع: لا يفارقه الشك لحظة بأقرب المقربين إليه، ولا يكاد ينهي حفر قبر لحليف، حتى يبدأ مع حليف آخر الحفر لمن عاونه في الحفرة السابقة:

بعد وفاة بيار الجميل، صيف 1984، تفاهم مع إيلي حبيقة على الانقلاب في 12 آذار 1985 على أمين الجميل. وبعد إصرار حبيقة على حدّ أدنى من الهرمية داخل القوات أدت إلى انتخابه رئيساً لهيئتها التنفيذية، تفاهم جعجع مع الجميل حول الانقلاب في 15 كانون الثاني 1986 على حبيقة، بحجة إسقاط الاتفاق الثلاثي. ولاحقاً لم يكد الجميل يغادر القصر الجمهوري في 22 أيلول 1988، حتى سيطر جعجع في 3 تشرين الاول على مختلف مواقع الجميل في المتن الشمالي، وأرسل بقرادوني في اليوم التالي يبلغ «العنيد» بلطف وجوب مغادرته المتن الشمالي.

في كتابه « لعنة وطن» يروي بقرادوني: «قال لي سمير إن أكبر مجرم بحق لبنان هو أمين الجميل، وأسوأ وقت في حياتي هو الذي قضيته معه. حاول حتى اللحظة الأخيرة أن يتفق مع سوريا وأن يدعم مخايل ضاهر بغية ضربنا، وكان سيحاول لو تركناه أن يجعل من المتن منطقة نفوذ على غرار ما فعله سليمان فرنجية في الشمال. ولكن هذه المرة قضيت عليه. لقد انتهى أمين إلى غير رجعة». ها هوذا يتحدث مع بقرادوني عن الجميل السوريّ كأن بقرادوني ملاك من السماء لا علاقة له بقنوات الجميل السورية.
لاحقاً، لم تكن معركة «توحيد البندقية» أو «الإلغاء» عام 1989 بين جعجع ورئيس الحكومة الانتقالية يومها العماد ميشال عون إلا واحدة من حروب السيطرة على المنطقة المسيحية والتفرد بقيادتها.

مثّل الطائف انتصاراً لجعجع. ولم يلبث قائد القوات السورية العاملة في لبنان غازي كنعان أن زار جعجع بسيارته الخاصة ومن دون مرافقين دليلاً منه على المودة، الثقة والتقدير. ويُروى هنا أن جعجع حين أبلغ وجوب تسليم مركزه العسكري في الكرنتينا إلى الجيش اللبناني استطلع أوضاع قصر كان يشغله الرئيس سليمان فرنجية في فتوح كسروان، فما كان من أصحابه إلا الاستنجاد بالبطريركية المارونية. فصادر جعجع فيلا أخرى في غدراس قاضاه وكيل أصحابها لاحقاً (منسق عام التيار الوطني الحر بيار رفّول) بتهمة «تخريبها» بالباطون المسلح، فدفعت القوات تكاليف الدعوى وما تسميه تحصين غدراس.

ولكن، رغم تفرّده في تلك المرحلة بقيادة ما تصفه القوات «المجتمع المسيحي»، لم يبارح جعجع موقع «راعي الغنم» في أرواح جبران المتمردة في نظر السياسيين. الأمر الذي ضاعف انشغاله بحزب الكتائب. على افتراض أن رئيس حزب الكتائب هو في نظر العالم غير رئيس الفرق المقاتلة في القوات اللبنانية. وهنا أيضاً تتالت هزائمه. عجز جعجع عن ترويض حزب بيار الجميل: بعد فوز النائب الراحل جورج سعادة برئاسة الحزب عام 1986، بأصوات جعجع التي تجاوزت الستين في المجلس المركزي للحزب، أقنع جعجع نفسه بأن يترك له الرئاسة مرة أخرى على أمل أن تعود كرسي بيار الجميل إليه عام 1992. فترشح جعجع وسعادة على موقع رئاسة حزب الكتائب في انتخابات ضارية ذلك العام، وهُزم جعجع.

لاحقاً، عرفت القوات اللبنانية كيف تخرج مشهد القبض على رئيسها وسجنه كجزء من رواية خليل الكافر. فها هو القائد الرافض للصفقات والسمسرات على حساب الوطن يفضل السجن مع قناعاته، متحملاً كل العذابات بالنيابة عن شعبه. لا بدّ هنا من قراءة قصة خليل الكافر لفهم الخطاب الجعجعي وأهدافه وعلاقته بالفكر المسيحي عموماً. وفيما القوات تنشغل ببطولة الكافر، كان الطائف يعوض مقتل نافذين في الأسر التقليدية مثل طوني فرنجية وداني شمعون ورشيد كرامي وحتى كمال جنبلاط باستنهاض بيوتات سياسية أكل الدهر عليها وشرب. ولم تلبث البطريركية المارونية في غياب جعجع أن استعادت ورهبانها مكانة لم تعرفها منذ أكثر من خمسين عاماً.
في السجن، حيث يقول جعجع (لمجلة «المسيرة») إن ساعات «الصلاة كانت تمتد من الصباح حتى الظهيرة» دفن قائد القوات خليل الكافر الذي فيه، وانتهى من تلك الرواية. ولى زمن تأليب الرأي العام على الإقطاعيين والرهبان والطبقة السياسية الفاسدة. لا يمكن ساكن قلعة معراب الحديث بسلبية عن أصحاب القصور. ولا يمكن المطلع على حضور زوجته شخصياً في بنية حزبه والمتحالف مع أكثر البيوتات السياسية استفزازاً لفكر خليل الكافر من المتن إلى كسروان فزغرتا، مواصلة الكلام ضد الإقطاع السياسي. ولا يمكن القابض على ثروة لا يمكن أحد تخيّل حجمها أو سؤاله عن مصدرها الحديث عن تجار القضايا الزائفة.
يوم سجن سمير جعجع لم يكن يصدق أن في العالم بذلة رسمية يتجاوز ثمنها الثلاثة آلاف دولار، وكان يجنّنه أن يدفع أحدهم ثلاثمئة دولار ثمن قلم وأن يقود سياسي سيارة يكفي ثمنها لشراء شقة لعائلة فقيرة. كان ذلك خليل الكافر. أما قاتله المقيم في معراب اليوم فيحدّث معارفه من دون حرج عن مسكنه وملبسه ومأكله، وتجاوزه آل الجميل في إحاطة نفسه بشتى مظاهر البورجوازية.
في طريقه إلى نصره المنتظر، خسر جعجع نفسه. فجعجع الذي يعد نفسه اليوم، ككل مرة، بنصر باهر قريب، لم يعد يوحي التمّيز بشيء عن السياسيين الذين احتقرهم الفتى البشراوي سابقاً وسعى جاهداً لتحرير مجتمعه منهم.

صفير: الشرعية
في 16 شباط 1989، خاطب البطريرك الماروني نصر الله صفير، كما يرد في مذكراته (التي كتبها الزميل أنطوان سعد)، سمير جعجع قائلاً: «على القوات اللبنانية أن تكون مساندة للدولة كي تستعيد قواها ومؤسساتها لا أن تكون بديلة منها. إذا بقينا كما نحن اليوم فسنذهب قريباً إلى دمشق لنقول للسوريين تفضلوا بالدخول إلى المنطقة الشرقية لتعيدوا إلينا الأمن والاستقرار». وسأل صفير ضيفه: «هل بامكان المجتمع، أي مجتمع، أن يعيش وينمو ويزدهر، إن لم يكن فيه حكم شرعي؟»، قبل أن يعدد صفير لجعجع، بحسب سعد دائماً، مآخذ المواطنين على القوات التي تبدأ بتعبهم من «الضرائب التي تتقاضاها عن كل شيء»، وتمر باستفادة «المخالفين من كل نوع، سواء في البناء أو التنظيم المدني»، ناهيك بـ«تهريب المخدرات والخبز إلى قبرص ومصادرة الأرزاق وخنق الحريات». وفي لهجته الحازمة، أشار صفير إلى «حماية القوات المعتدين المنتمين إليها وانتصارها لهذا على ذاك حتى في الشؤون القضائية». مع التأكيد أن تأنيب صفير لعون كان أشد مما سبق بكثير.

المواجهة
بعد التهجير من الشوف، كان سمير جعجع يتحدث علناً بنبرة خليل الكافر عن فساد رجال السياسة وتركيزهم على مصالحهم. وها هو يخترع البارود بقوله بعد وصوله إلى بيروت إن «المسيحيين خسروا المعركة سياسياً لا عسكرياً، فالمعركة كانت خاسرة منذ البداية لأن كل الدروز كانوا يحاربون بعض المسيحيين: وحدة الدروز كانت سبب انتصارهم وتشرذم المسيحيين سبب هزيمتهم». ومن الآن وصاعداً، سيكون جعجع محاطاً بمجموعتين مشردتين كبيرتين: المهجرون من الشمال والمهجرون من الجبل. ولن يتردد في مواجهة مختلف السلطات الزمنية والروحية في ما كان يعرف بالمنطقة الشرقية كي يوفر لهؤلاء العيش الكريم، مشجعاً المقاتلين على التمثل بروبن هود في سرقة الأغنياء لإطعام الفقراء وإسكانهم وتعليمهم وتطبيبهم. وهنا، كان لافتاً استقرار جعجع في بيروت بعد عودته من الجب

في الجامعة الأميركية
في «السجلات الحزبية» للجامعة الأميركية في بيروت (دخلها جعجع مستفيداً من منحة قدمتها له لجنة جبران خليل جبران) لن يرد شيء عن سمير جعجع رغم احتدام الجدالات الطلابية مطلع السبعينات وصعود نجم الحركة الطلابية. وبالرغم من تزامن وجوده في الأميركية مع دراسة قائدي القوات اللبنانية السابقين فؤاد أبو ناضر وفادي افرام فيها، لم تقم علاقة شخصية مباشرة قوية بين الطلاب الثلاثة، فاقتصرت علاقتهم على الاجتماعات الحزبية. مع تأكيد أحد زملائه السابقين انشغاله الكلي عن اللهو الجامعي بالدراسة، فلا سهر أو رقص أو سكر. فقط درس وخطاب واحد في «هايد بارك» الأميركية. وفي سيرته التي وضعتها الزميلة مارلين خليفة في كتابها «بورتريه»، يتكلم المقربون من جعجع عن اختياره الطب لشغفه بتطبيب الفقراء ورغبته بمعالجة «أبناء الضيعة من دون مقابل». حتى أن بعض رفاق جعجع فوجئوا بعد نحو أربع سنوات حين رأوه مرة في السينما.

موقع المنار غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه