19-08-2017 06:39 AM بتوقيت القدس المحتلة

المحكمة الدولية حاكمت نفسها... فربحتْ

المحكمة الدولية حاكمت نفسها... فربحتْ

بعد مضي ثلاث سنوات ونصف السنة على انطلاق عملها رسمياً، قرّرت المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري أنها شرعية




عمر نشابة


بعد مضي ثلاث سنوات ونصف السنة على انطلاق عملها رسمياً، قرّرت المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري أنها شرعية، بحجة أن التشكيك في قانونية قرارات مجلس الأمن الدولي ممنوع. لكن يستغرب رضوخ قاضيين لبنانيين لقرارات لا تحترم مقتضيات الدستور اللبناني.

ردّت غرفة الاستئناف في المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري (المعروفة باسم المحكمة الخاصة بلبنان) الدفوع التي كان قد تقدم بها محامو الدفاع بعدم قانونيتها. فبعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام ونصف العام على انطلاق عملها (في 1 آذار 2009)، يمكن قضاة المحكمة الدولية أن يعلنوا أنهم شرعيون بحسب القانون الدولي.


وكان رئيس المحكمة القاضي النيوزيلاندي دايفد باراغوانث قد تمنّع عن تأكيد شرعية المحكمة في مقابلة أجرتها معه «الأخبار» يوم 5 نيسان 2012 (راجع عدد «الأخبار» 6 نيسان 2012) وذلك لعدم استباق صدور الحكم.


المحامون أنطوان قرقماز وفينسان كورسيل لابروس ويوجين أوسوليفان ودايفد يونغ المكلفون بالدفاع عن المتّهمين الأربعة قدّموا إلى غرفة الدرجة الأولى في المحكمة دفوعاً بعدم قانونيتها، محتجين بأنّ المحكمة تنتهك سيادة لبنان ودستوره، وبأنّ اختصاصها القضائي الانتقائي غير مبرّر عدلياً، وبأنّها غير مخوّلة محاكمة المتّهمين. وفي 27 تموز الفائت ردّت غرفة الدرجة الأولى برئاسة القاضي دايفد روث وعضوية القاضية اللبنانية ميشلين بريدي، دفوع جهة الدفاع، معلنةً أنّ المحكمة أُنشئت بموجب قرار مجلس الأمن 1757/2007 وأنّ غرفة الدرجة الأولى «لا تملك سلطة إعادة النظر في هذا القرار»، على الرغم من أن ذلك جاء مخالفاً لما ورد في قرار كان قد صدر عن القاضي الراحل أنطونيو كاسيزي (الرئيس السابق للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان) في قضية تاديتش في المحكمة الدولية ليوغوسلافيا السابقة (التي كان يترأسها).


استأنف ثلاثة من أصل أربعة محامين (امتنع المحامي دايفد يونغ) قرار غرفة الدرجة الأولى، فأحيلت القضية على غرفة الاستئناف التي يرأسها باراغوانث، فتوافق أربعة من أصل خمسة قضاة في غرفة الاستئناف (امتنع القاضي باراغوانث)، في قرارهم الذي صدر أمس، على «عدم امتلاكهم سلطة إعادة النظر في قرارات مجلس الأمن».


غير أنّ باراغوانث رأى، في رأي مستقل، أنّ على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، بوصفها محكمة قضائية، «ممارسة سلطة محدودة لإعادة النظر في بعض نواحي قرارات مجلس الأمن».


لكنّه خلص إلى القول إنّ محامي الدفاع لم يُثبتوا أنّ مجلس الأمن تجاوز سلطته، ولهذا السبب ادّعى رئيس المحكمة أنه انضمّ إلى القضاة الآخرين في ردّ الاستئنافات.


وكان محامو الدفاع قد احتجّوا أمام الغرفتين بأنّ اعتداء 14 شباط 2005، بالرغم من طابعه المأساوي، لم يمثّل تهديداً للسلم والأمن الدوليين. ووجود هذا التهديد هو شرط أساسي لتدخّل مجلس الأمن وإنشائه «المحكمة الخاصة بلبنان» خلافاً للدستور اللبناني.


فالدستور يقتضي أن يتفاوض رئيس الجمهورية مع الأمم المتحدة بشأن الاتفاقية الدولية التي أنشئت المحكمة على أساسها، وهو ما لم يحصل. ويفرض الدستور كذلك إحالة هذه الاتفاقية على مجلس النواب، لأنها تتضمن أموراً مالية (لبنان يسهم بنسبة 49 في المئة من كلفة تشغيل المحكمة التي تفوق 65 مليون دولار سنوياً) وحصانات ديبلوماسية.


لكن اتفاقية إنشاء المحكمة لم تُحَل على مجلس النواب، فلم ينظر فيها الممثلون الشرعيون للشعب اللبناني، بل قرر مجلس الأمن الدولي، بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، فرض الاتفاقية واعتبارها قائمة من دون توقيع الجمهورية اللبنانية عليها.


رضخ أمس القاضيان اللبنانيان رياشي وعفيف شمس الدين، والقاضيان الأجنبيان دانيال نسيريكو وكيل بيورنبرغ، لسلطة مجلس الأمن الدولي كما كان متوقعاً، ولم يمنحوا حقّ الحفاظ على الدستور الوطني لعضو مؤسس للأمم المتحدة أي أهمية، حيث إن غرفة الاستئناف في المحكمة الدولية رأت أمس، بحسب خلاصة القرار، «أن لمجلس الأمن سلطة استنسابية واسعة النطاق في ما يتعلّق بتصنيف حالةٍ معينة على أنها تهديدٌ للسلم والأمن الدوليين، وأنه لا يسعها إعادة النظر قضائياً في الإجراءات التي يتخذها مجلس الأمن».


ورأى القضاة أيضاً أنّ مجلس الأمن، «عندما يحدّد وجود تهديد للسلم والأمن وفقاً لما ينصّ عليه ميثاق الأمم المتحدة، يتمتّع بسلطة استنسابية لتحديد التدابير اللازمة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين أو إعادتهما. وفي هذه الحالة، تمثّل التدبير بإنشاء محكمة».


وكان قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين قد حدّد يوم 25 آذار 2013 موعداً مؤقتاً لبدء المحاكمة، غير أن رئيس مكتب الدفاع فرانسوا رو كان قد شكّك في أن يتمكن المحامون من إعداد مرافعاتهم قبل هذا الموعد.


فسبب التأخير هو عدم امتثال مكتب المدعي العام لأوامر قاضي الإجراءات التمهيدية بتسليم الدفاع كامل الوثائق والمعلومات التي استند إليها لإصدار قرار الاتهام.


يذكر أخيراً أن المحامين كانوا استأنفوا قرار غرفة الدرجة الأولى القاضي بالسير بالمحاكمات الغيابية، واستأنفوا كذلك قرار ردّ الطعن الذي كان قد تقدم به المحامي قرقماز بعدم شرعية قرار الاتهام ولم تفصل غرفة الاستئناف في القضيتين حتى اليوم.
على أي حال، يبدو أن المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري تتجه نحو مصير عبثي، حيث إنها المحكمة الدولية الوحيدة التي يتيح نظامها المحاكمات الغيابية، ويتيح كذلك مثول الشهود مقنعين. يعني ذلك أن لا فرق واسعاً بين المحاكمات العلنية والمحاكمات السرّية.

استقالات؟

علمت «الأخبار» أن المتحدثة باسم مكتب المدعي العام، الفرنسية صوفي بوتو دولاكومب، استقالت من منصبها منذ فترة من الزمن من دون أن يصدر بيان بهذا الشأن يعرض الأسباب. أما رئيس العلاقات العامة في المحكمة، البريطاني كريسبين ثورولد، ورئيس القلم الهولندي هيرمان فون هابيل، فتناقلت أوساط قريبة منهما احتمال رحيلهما عن المحكمة للالتحاق بمحاكم وهيئات دولية أخرى.

موقع المنار غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه