12-12-2017 03:55 PM بتوقيت القدس المحتلة

المحكمة الدولية = محكمة سرّية

المحكمة الدولية = محكمة سرّية

للمرة الأولى في تاريخ المحاكمات الدولية ستعقد الجلسات في قضية اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري يوم 25 آذار 2013 في ظلّ غياب المتهمين وإخفاء هوية شهود ومتضررين



عمر نشابة


للمرة الأولى في تاريخ المحاكمات الدولية ستعقد الجلسات في قضية اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري يوم 25 آذار 2013 في ظلّ غياب المتهمين وإخفاء هوية شهود ومتضررين. وكما في الدول الديكتاتورية، قد يصدر الحكم من دون أدنى مراعاة للشفافية. فلا المحكمة علنية ولا التحقيقات سرّية... بل العكس صحيح.

«إن الحكومة، انطلاقاً من احترامها القرارات الدولية، تؤكد حرصها على جلاء الحقيقة وتبيانها في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وستتابع مسار المحكمة الخاصة بلبنان التي أنشئت مبدئياً لإحقاق الحق والعدالة بعيداً عن أي تسييس أو انتقام، وبما لا ينعكس سلباً على استقرار لبنان ووحدته وسلمه الأهلي». هذا ما جاء في الفقرة 14 من البيان الوزاري للحكومة الحالية.

لكن يبدو أن المحكمة الدولية لن تتيح للحكومة أو لغيرها «متابعة مسارها»، لأنها قررت اعتماد السرّية في الادّعاء والدفاع وفي التعامل مع المتضرّرين من الهجوم الذي وقع في 14 شباط 2005. فبعد قرار غرفة الدرجة الاولى السير في المحاكمات الغيابية، أي من دون مثول المتهمين، وبعد تعيين محامين لهؤلاء من دون أن يتعرفوا إليهم أو يتواصلوا معهم، وبعد ترجيح اعتماد المدّعي العام شهوداً مقنّعين لن يُسمح بمعرفة هويتهم الحقيقية، جاء دور الضحايا حيث طلب أول من أمس وكيلهم إخفاء هوية 17 منهم. وبالتالي سيشهد العالم محاكمات غير مسبوقة في التاريخ من ناحية السرية، حيث إنه لا المتهمون موجودون ولا الشهود معروفون ولا ذكر لهوية الضحايا. محكمة أشباح يديرها قضاة ومحامون وبيروقراطية العدالة الدولية في مكان يبعد آلاف الكيلومترات عن مكان وقوع الجريمة. صحيح أن المحاكم الدولية الأخرى تعتمد أحياناً الشهود المقنعين، لكن ذلك لم يحصل في ظلّ المحاكمات الغيابية، حيث إن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان هي أول محكمة دولية تتيح المحاكمات الغيابية. أما مبدأ سرية التحقيقات وعلنية المحاكمات الذي يعدّ إحدى الركائز الأساسية للحكم العادل فضرب به عرض الحائط بفضل نظام هذه المحكمة وقواعدها التي تتيح عدم الإبلاغ عن مصادر بعض المعلومات «لدواع أمنية» من جهة، وبفضل التسريبات العديدة لمضمون تحقيقات المدعي العام ولجنة التحقيق الدولية المستقلة من جهة ثانية.


الوكيل القانوني للمتضررين بيتر هاينز ومعاوناه المحاميان اللبنانيان ندى عبد الساتر أبو سمرا ومحمد فريد مطر، طلبوا أول من أمس من قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين عدم الإبلاغ عن هوية سبعة عشر متضرراً من جريمة 14 شباط 2005. وذكر هاينز أن «طبيعة التهديد الذي يتعرّض له المتضررون الذين يأملون أن تبقى هوياتهم سرية، يتراوح بين التهويل والصدمة والإصابة الجسدية أو الموت. ويمكن أن يكون مصدر هذا التهديد مكان إقامة أو مكان عمل المتضررين، أو منتسبين محددين الى منظمات معادية وأقاربهم. وفي بعض الحالات فإن العمر أو الوضع النفسي للمتضررين قد يزيد من وقع تهديد كهذا» (الفقرة 19). وتابع هاينز في نصّ المذكرة التي رفعها إلى القاضي فرانسين قائلاً «إن هؤلاء المتضررين لا يريدون الكشف عن هوياتهم للفرقاء (الدفاع والادّعاء) لأن فعل ذلك سيزيد من احتمال تسريب معلومات عنهم بواسطة آليات مرتبطة بإجراءات المحكمة، بما فيها التحقيقات. إن أي إشارة إلى علاقتهم بالمحكمة قد تضع هؤلاء المتضررين في خطر» (الفقرة 20). وأصاف المحامي هاينز ومعاونوه أن المخاطر التي يتعرّض لها المتضررون تتطابق مع المخاطر التي يتعرّض لها الشهود (الفقرة 22) وأنهم كانوا قد اشترطوا أن تبقى هوياتهم سرية قبل أن يوافقوا على المشاركة في إجراءات المحاكمة (الفقرة 25).


يضاف إخفاء هويات المتضررين إلى إخفاء المحكمة مصادر بعض المعلومات التي ستعرض على القضاة بحجة أن الإبلاغ عنها «قد يؤدي إلى المساس بالمصالح الأمنية لإحدى الدول أو لإحدى الهيئات الدولية» بحسب المادة 117 من قواعد الإجراءات والإثبات الخاصة بالمحكمة الدولية، إذ يجوز للمدعي العام في هذه الحالات «الطلب من قاضي الإجراءات التمهيدية في غرفة المذاكرة وبصورة غير وجاهية إعفاءه كلياً أو جزئياً من موجب الإبلاغ الملحوظ في القواعد».


وتحدد المادة 116 من القواعد مبررات إضافية لعدم الإبلاغ عن مصادر المعلومات وهي «(1) إلحاق الضرر بالتحقيقات الجارية أو اللاحقة، أو (2) تشكيل تهديد خطير لسلامة أحد الشهود أو سلامة عائلته، (3) أو أن الأمر لسبب أو لآخر هو مخالف للمصلحة العامة أو لحقوق الأطراف الثلاثة، فيجوز للمدعي العام الطلب من غرفة الدرجة الاولى في غرفة المذاكرة وبصورة غير وجاهية إعفاءه كلياً أو جزئياً من موجب إبلاغ المعلومات المنصوص عليه في القواعد الحاضرة».


وتصف المادة 118 المعلومات التي لا يمكن إبلاغها بدون موافقة مقدمها حيث جاء فيها «عندما تكون بحوزة المدعي العام معلومات قُدّمت له بصفة سرّية وتمسّ بالمصالح الأمنية لدولة أو هيئة دولية أو ممثل عنها، لا يعمد المدعي العام الى إبلاغ تلك المعلومات ومصدرها إلا بموافقة الشخص أو الهيئة التي قدّمتها».


أما المادة 22 من نظام المحكمة الأساسي (المرفق بقرار مجلس الأمن 1757/2007) فتتيح سير المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الحريري بالمحاكمات الغيابية. وتقول «تجري المحكمة الخاصة المحاكمة غيابياً إذا كان المتهم (أ) قد تنازل صراحة وخطياً عن حقه في الحضور، (ب) لم يتم تسليمه إلى المحكمة من قبل سلطات الدولة المعنية، (ج) قد توارى عن الأنظار، أو تعذر العثور عليه بعد اتخاذ جميع الخطوات المعقولة لضمان مثوله أمام المحكمة ولإبلاغه بالتهم التي ثبتها قاضي الإجراءات التمهيدية».


المحاكمات ستنطلق إذاً بعد حوالى خمسة أشهر إذا لم يحدث أي طارئ، وإذا لم تدخل تعديلات جذرية على قرار الاتهام، وإذا رفضت غرفة الاستئناف الطعن في شرعية القرار الاتهامي الذي كان قد تقدم به المحاميان أنطوان قرقماز وجون جونز (دفاعاً عن مصطفى بدر الدين). وسيغيب عنها المتهمون الأربعة، بينما سيظهر بعض الشهود مقنعين، وستخفى أسماء سبع عشرة ضحية. ويذكر أخيراً أنه «في حال الحكم بالإدانة غيابياً، يحق للمتهم الذي لم يعيّن محامي دفاع من اختياره أن يطلب إعادة محاكمته حضورياً أمام المحكمة الخاصة، ما لم يقبل بالحكم الصادر بحقه» (المادة 22 من النظام). بكلمات أكثر وضوحاً، قد تضطر المحكمة إلى العودة إلى النقطة الصفر بعد مرور سنين من المحاكمات، إذا قرر المتهمون فجأة إعادة محاكمتهم حضورياً حتى لو صدر حكم بإدانتهم.

موقع المنار غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه