21-08-2017 03:07 PM بتوقيت القدس المحتلة

المحكمة الدوليّة 2013 : تحقيق انتقائي وخلل في التوازن

المحكمة الدوليّة 2013 : تحقيق انتقائي وخلل في التوازن

يتوقّع أن يشهد عام 2013 انطلاق جلسات المحاكمة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في لاهاي. لكن مجرّد انعقاد الجلسات لا يعني الاقتراب من تحقيق العدالة



عمر نشابة

يتوقّع أن يشهد عام 2013 انطلاق جلسات المحاكمة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في لاهاي. لكن مجرّد انعقاد الجلسات لا يعني الاقتراب من تحقيق العدالة. المدّعي العام لا يزال يرفض التحقيق في احتمال ضلوع إسرائيليين، ولا توازن بين الدفاع والادّعاء. فأين العدل؟

حدّد قاضي الإجراءات التمهيدية في المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وآخرين (المعروفة باسم المحكمة الخاصة بلبنان) يوم 25 آذار المقبل موعداً أوّلياً لانطلاق جلسات محاكمة أربعة أشخاص منتسبين الى حزب الله، كان قد اتّهمهم المدعي العام الدولي بهجوم 14 شباط 2005. جاءت هذه الخطوة بعدما بعث مجلس إدارة المحكمة في نيويورك، المكلف جمع المساهمات المالية لاستمرار عمل المحكمة، برسائل الى المسؤولين فيها بضرورة إحراز تقدم ملموس في سير الإجراءات. وكان عمل المحكمة الدولية قد انطلق في آذار 2009، إلا أن تأخر المدعي العام في إيداع القاضي دنيال فرانسين القرار الاتهامي لتصديقه حتى صيف 2011 لأسباب لا تزال مجهولة، إذ إن قرار مجلس الأمن 1757 الصادر يوم 30 أيار 2007 كان قد أشار الى أن المحكمة «تباشر عملها في موعد يحدده الأمين العام بالتشاور مع الحكومة، آخذاً باعتباره التقدم المحرز في عمل لجنة التحقيق الدولية المستقلة» (المادة 19 من النص المرفق بالقرار). وبالتالي كان يفترض أن تكون تحقيقات اللجنة كافية لإصدار قرار الاتهام خلال عام 2009 أو 2010 كحدّ أقصى. غير أن بان كي مون تجاوز قرار مجلس الأمن، مستعجلاً انطلاق عمل المحكمة لأسباب مالية وسياسية، حيث إن مصدر تمويل لجنة التحقيق الدولية هو صندوق خاص يعود بالكامل للأمم المتحدة، بينما يعتمد تمويل المحكمة الدولية على مساهمة لبنان بنسبة 49 بالمئة، والباقي من الدول الأخرى. أما الدوافع السياسية لقرار بان فأساسها مرتبط برغبة الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية في تسريع استهداف حزب الله عبر آليات قضائية دولية، لا من خلال تقارير لجنة تحقيق الى مجلس الأمن. والدليل هو تعمّد الإشارة الى «إرهاب الجناح العسكري في حزب الله» في نصّ قرار الاتهام، بينما يقتصر اختصاص المحكمة الدولية على محاكمة الأفراد، لا المجموعات أو الأحزاب أو المذاهب.

على أي حال، إن الموعد الذي حدّده قاضي الإجراءات التمهيدية لانطلاق جلسات المحاكمة قد يؤجّل لبضعة أسابيع بسبب تأخر إحالة كامل ملفّ الاتهام الى فريق الدفاع، وبسبب إشكاليّات حول حجب مصادر بعض المعلومات بحجة الحفاظ على سلامتها. لكن التأجيل لا يعالج المشاكل الأساسية التي تعانيها المحكمة الدولية كآلية يفترض أن تعمل «لإحقاق الحق والعدالة بعيداً عن أي تسييس أو انتقام، وبما لا ينعكس سلباً على استقرار لبنان ووحدته وسلمه الأهلي» (البيان الوزاري لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي). إن أبرز المشاكل التي تعترض المحكمة الدولية الخاصة بلبنان هي:

أولاً، إن التحقيق الجنائي في جريمة اغتيال الحريري انتقائي، إذ إن المدعي العام نورمان فاريل وسلفه دنيال بلمار قرّرا عدم التدقيق في القرائن المتوافرة لديهم عن احتمال ضلوع إسرائيليين في الجريمة. وكانت هذه القرائن قد أرسلت الى المحكمة الدولية عن طريق المحامي الإسرائيلي (من أصل فلسطيني) مروان دلال الذي كان يشغل منصباً أساسياً في مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة. أضف الى هذه القرائن تلك التي سلّمها حزب الله للنيابة العامة اللبنانية، والتي سلّمتها بدورها للمحكمة في لاهاي. وتضمّنت هذه القرائن، التي كان السيد حسن نصر الله قد كشف عن بعض منها، تسجيلات مصوّرة لطائرات تجسّس إسرائيلية. لكن حتى اليوم، وبعد مرور نحو سبع سنوات على التحقيق، لم يستمع المحققون الى إسرائيلي واحد، ولم يدقّقوا في المعلومات المتوافرة لدى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، علماً بأن هذه الأجهزة هي الأكثر تطوّراً في المنطقة والأكثر تركيزاً على لبنان.

ثانياً، تضطر المحكمة إلى الاستجابة لمتطلبات التمويل. ويتعرّض القضاة والمحققون لضغوط كبيرة، إذ إن عدم تأمين المساهمات يعني توقف المحكمة عن العمل. فصحيح أن مجلس الإدارة في نيويورك لا يتدخّل مباشرة في سير الإجراءات ولا يطّلع أعضاؤه على الملفات القضائية، لكن لا شكّ في أن استمرار عمل المحكمة الدولية مرهون برضى القوى السياسية الدولية على عملها. وليس بإمكان مارتن يوسف أو أي من المدافعين عن المحكمة أن ينكروا أن عدم رضى أي من الدول المساهمة عن أداء المحكمة سيؤدي الى وقف التمويل، وإذا حصل ذلك على نحو جماعي، فسيضطر يوسف وزملاؤه وسائر الموظفين الى البحث عن وظائف شاغرة في أماكن أخرى.

ثالثاً، تعاني المحكمة خللاً في التوازن بين فريقي الادعاء والدفاع. فبينما خصصت ملايين الدولارات لمكتب المدعي العام وللمحققين الدوليين العاملين فيه، وعلى رأسهم ضابط الاستخبارات البريطاني السابق مايكل تايلور، يشكو المحامون من نقص في الموازنة المخصصة لهم. ويشكون كذلك من ضيق الوقت، إذ إن أمامهم أشهراً قليلة قبل انطلاق المحاكمات، يفترض أن يتمكنوا خلالها من التدقيق في عشرات آلاف الصفحات من محاضر التحقيق وفي إفادات أكثر من خمسمئة شاهد، يقول المدعي العام إنه سيستند الى بعضها لإثبات صحة ما ورد في قرار الاتهام.

رابعاً، عبثية المحاكمات الغيابية، إذ إن عدم تواصل المحامين مع الأشخاص الذي كُلّفوا الدفاع عنهم، وعدم مواجهتهم فريق الادعاء مباشرة، يصعّبان مسار العدالة. لكن المشكلة الأكبر تكمن في حال قرّر أيّ من المتهمين الأربعة الظهور علناً بعد انتهاء عمل المحكمة وبعد صدور حكمها بإدانتهم. فنظام المحكمة ينصّ في هذه الحالة على وجوب إلغاء الحكم وإعادة المحاكمة. يستدعي ذلك صدور قرار جديد عن مجلس الأمن بإعادة إطلاق المحكمة، ويستدعي كذلك تمويلاً جديداً بعدما أنفقت عشرات ملايين الدولارات. فهل يُعقل أن يحصل ذلك؟ الأرجح أن يلغى الحكم في هذه الحالة، ولا تعاد المحاكمة إلا من خلال المحاكم اللبنانية. ألا يعني ذلك أن إنشاء المحكمة الدولية وعملها ما هما إلا مضيعة للوقت وهدر للمال العام؟

خامساً، تعقيدات الأدلة الظرفية. المدعي العام السابق دنيال بلمار كان قد دافع بشراسة عن اعتماده الأدلة الظرفية، واعتبر أنها أكثر دقة من الأدلة المباشرة. وبما أن خلفه نورمان فاريل مستمرّ في التمسك بهذه النظرية الخاطئة، أعلن أخيراً فريق الادعاء أن بحوزته إفادات لـ 566 شاهداً، إضافة الى تقارير عشرات الخبراء ومئات الأدلة الجنائية. المقصود هو إغراق الدفاع والرأي العام في بحر من المعلومات يصعب التأكد من صحتها خلال فترة محدودة، وبالتالي يتمّ تضليل الرأي العام ويستمرّ المدعي العام ومن معه بفتح الباب عريضاً أمام التوظيف السياسي لقضية عدلية، بينما المطلوب هو التمسّك بأعلى المعايير الدولية في مجال العدالة الجنائيّة.

موقع المنار غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه