16-06-2019 03:02 PM بتوقيت القدس المحتلة

هنا الجنوب.. عنوانٌ لزحفين في أيار

هنا الجنوب.. عنوانٌ لزحفين في أيار

في 15 ايار/ مايو 2011 ، تشابه التاريخ مع احداث ايار 2000 من حيث حركة الشعب، فدار في خُلد قادة العدو مجددا الكثير من الافكار المقلقة

منذ أيام معدودات كان فلسطينيُّ المخيمات على الحدود اللبنانية مفعما بمشاعر ثورية عن استعادة كيانه وتأكيد ذاته.. زحفَ من شتى المخيمات متجاوزا حدود الخطر وصولا الى حدود الاحتلال والى سياج الاجرام والقتل بدم بارد.. أما هو فبقي دمه حارا ليلمّ شهيدا هنا وجريحا هناك ويسرع نحو السياج من جديد..
دوّن الفلسطيني في الجنوب اللبناني رسالة قرأ ما يشبهها العدو آنفاً إبان اندحار العام 2000 من الجنوب، عندما وثب النمر الجنوبي  فوق الهضاب المخضبة بدماء ابنائه واخوته الشهداء ، يريد العودة الى ارضه بعد احتلال طويل، ومواقع الاحتلال وعملائه كانت لا تزال رابضة وعناصرها متأهبة تأهُّب المذعورين، وقبْلها بتاريخ قصير كان في ارنون موعد مع نزع السياج ومع التحرير..
في 15  ايار/ مايو 2011 ، تشابه التاريخ مع احداث ايار 2000  من حيث حركة الشعب،  فدار في خُلد قادة العدو مجددا الكثير من الافكار المقلقة عندما استذكروا ان هذا المشهد كان حصل ما يشابهه عام 2000..
على مدى عشرين عاما كان المقاوم يدوس شوك الاحتلال ويمضي نازفا ليمهد لأهله طريق العودة ويجعل من الشوك سجادة عبور حمراء مكللة بالشرف..
 

الزحف المجيد

أكمل الاهالي اخر ادوار العزة في ايام التحرير المجيدة في ايار، فكان تحرك جموع الجنوبيين من قرية الى قرية محرِّرين، بمواكب سواء بمواكب سيارة أو راجلة ، على الطرق او بين الوديان، كان بمثابة مفاجأة غير محسوبة اضفت على التحرير رونقا خاصا واضافت الى اهانة العدو على يد المقاومين اهانة جديدة على يد اهل المقاومة  ليسرّع في تاريخ انسحابه المقرر، دون اية مكتسبات عسكرية وامنية تذكر.
 بعد ان انهكت المقاومة قوات الاحتلال على مدى عشرين عاما من تكبيده الخسائر قرر الانسحاب لكنه لم يعرف ان انسحابه سيكون على هذه الشاكلة حيث كان المقاومون يدكون مواقعه ويواكبون في الوقت نفسه دخول الجموع البشرية الكثيفة. فثورة الشعب الجنوبي المتقدم  نحو القرى  غير ابه بالقصف الكثيف من المواقع العسكرية كانت تحركا اثبت ان الشعب اللبناني الذي انجب المقاومة قادر على تحدي المستحيل وتحقيق انجازات شعبية لافتة.. ولم يحسب الصهيوني يوما ان يكون وجها لوجه امام زحف بشري مدني  قرر العودة..

في 21/5/2000 بدأ أبناء القرى المحتلة اندفاعهم الشعبي  المدعوم من المقاومة ، لتحرير قراهم دون ان تنجح الاعتداءات البرية والجوية والبحرية، في منع تقدمهم.
وكان التحرك الاول من بلدة الغندورية باتجاه بلدة القنطرة حيث دخلها عشرات من اهلها مما مهد لدخول الطيبة وديرسريان وعلمان وعدشيت، مع ان العملاء في موقع الطيبة حاولوا وقف المسيرة المدنية بالقصف دون ان تتوقف المسيرة ، فقرر العملاء اخلاء الموقع خائفين من الجموع الكثيفة القادمة.
 ثم بدأ انهيار العملاء الذين حاول العدو ان يبقيهم بعد انسحابه، ونتج عن انهيار مجموعات العملاء وفرارهم اخلاء مواقع جديدة. وكرت سبحة الانسحابات في القطاعات المختلفة وسرع العدو انسحابه مذلولا من الجنوب. ومع انسحاب العدو والعملاء من مواقعهما في القطاع الأوسط والغربي، تحررت قرى كثيرة في هذين القطاعين تبعها في اليومين التاليين الانسحاب من مناطق حاصبيا والعرقوب والنبطية ومرجعيون، وفي 25 ايار كان الاهالي قد دخلوا كل قرى الجنوب..


 الشعب تحدى الاقدار والاخطار

"لا شك ان التحرير في ايار 2000 كان تتويجا لنضالات شعبية واسعة النطاق شهدها جنوب لبنان منذ وطأت اقدام الاحتلال ارضه الطاهرة. فأهل الجنوب كان خيارهم الأساسي هو المقاومة بكل اشكالها، فكان الرفض للوجود الصهيوني وكانت المقاومة للاحتلال رغم الخلل الكبير في ميزان القوى ورغم ذهاب البعض للقول ان اي مقاومة ضرب من الجنون... اثبت اهل الجنوب والمقاومة في طليعتهم ان الجنون كان الخضوع للإذلال الصهيوني اما المقاومة فكانت طريق العقل والعاطفة والالتزام واثبت اهل الجنوب والمقاومة ايضا ان لا بديل عن طرد المحتل بكل الوسائل وفي مقدمها النضال المسلح الذي تراكم بفعل تضحيات الشهداء وتحول الى كرة ثلج لا يمكن لأحد مواجهتها"..

هذه مقدمة من حديث الوزير السابق بشارة مرهج لموقع المنار ينطلق بعدها لقراءة من وحي ذكرى التحرير في 25 ايار/ مايو تستعيد مسألة الزحف البشري عام 2000 ثم ينتقل الى مقاربة موضوعية مع مسألة زحف فلسطينيي المخيمات الى الحدود وتشابه هاتين الحركتين من حيث المضمون والمعنى والنتيجة والوقع على الصهيوني، فيضيف مرهج "في ايار 2000 اندفعت الجماهير مع ابطال المقاومة تحرر القرى والبلدات دون ان تلتفت الى موقف دولي او تهديد اسرائيلي بحيث أُسقط في يد القوات الصهيونية التي لم تجد طريقا سوى الفرار من غضبة الشعب والوحدة الشعبية  التي جعلت الأرض بركانا يزلزل الوجود الصهيوني على الأرض"..

ويقول مرهج "لقد تكرر هذا المشهد في هذا العام في ذكرى 15 أيار عندما اندفعت الجماهير الفلسطينية بدون سلاح لمعاينة ارض اجدادهما والتواصل مع اهلها فكان مشهدا معبرا عن توق الفلسطيني الى ارضه واصراره على رفض الحلول التي يطرحها المجتمع الدولي للتخلي عن الارض المقدسة.. كان ملفتا بحق ان يرى العالم بأسره تقدم الشباب الفلسطيني متحديا الموت والرصاص الاسرائيلي من اجل ان يكحل عينه بأرضه وأن يهيء الجو النفسي لخطوات لاحقة لا بد من انها آتية من اجل استكمال مسيرة التحرير التي وضع مداميكها الأولى اولئك الابطال الذين تصدوا للاحتلال ولا زالوا في جنوب لبنان بعد ان لقنوه درسا لن ينساه عامي 2000 و2006"..
ويؤكد مرهج ان "الانجازات الخالدة التي حققتها المقاومة في لبنان اصبحت مثلا حيا للشعب والشباب الفلسطيني لمواصلة مسيرتهم الكفاحية وتَأكد للفلسطيني مرة اخرى ان الجيش الصهيوني على رغم حجم اسلحته يبقى جيشا اضعف من ان يواجه مدا شعبيا هائلا مسلحا بالتنظيم والارادة"..

صورة عام 2000 لا يزال يخشاها العدو

لقد استعاد الصهيوني من جديد صورة تحرك الاهالي عام 2000 فأصابه القلق وهذا ما بدا من المواقف الهلعة... وفي هذا الاطار يقول مرهج ان "اسرائيل حاولت ان تقلل من شأن هذه الحركة لكن مَن تتبع ردود الفعل الحقيقية الصادرة عن القيادات والتجمعات الصهيونية اكتشف مدى الهلع عندما رأوا الشباب الفلسطيني غير عابئ بالموت مصمما على العودة لأرضه، وقد كانوا مدركين ان ما حصل بالامس يمكن ان يتكرر بأشكال مختلفة في الغد ويتعاظم بأشكال غير مألوفة ويؤدي الى مد لا يمكن مقاومته".

في مقاربته للنظرة الصهيونية الى حركتي عام 2000 وعام 2011 يقول مرهج "بطبيعة الحال فإن الاسرائيلي كان ينظر نظرة تخوف وقلق شديدين لهذه  الهبّة الجماهيرية التي تنذر بتطورات مستقبلية تحاكي ما حصل عام 2000 ، عندما انطلقت جماهير الجنوب واندفعت  عام 2000 لتحرير ارضها، هذه الصورة يخشى منها الإحتلال ويخشى تكرارها وهي تحدث امام عينيه وامام جنوده وتعني له ان هناك بروزا  لحالة نفسية جديدة لدى الجماهير الفلسطينية يصعب مقاومتها فيما لو تعمقت وتطورت وهذا بالضبط ما يتوقعه العدو".

وفي اشارة الى ان تحرك الشعب يكون مستقويا بوجود مقاومة عسكرية جاهزة يقول مرهج: "الشباب الفلسطيني الذي انتفض في مختلف المواقع كان يشعر ان حوله مقاومة تحمي ظهره وقادرة على مواجهة العدو وعلى التوازن معه في اي معركة مقبلة، وهذا احد اهم الاسباب التي ادت لنشوء هذه الحالة الوطنية النفسية"..
 
من هذا الكلام يمكن ان نختم بما يلي: لقد مهد العودة الى الجنوب صنوان لا يفترقان هما المقاومة وشعب مجاهد ولم يبخل الجيش بالتضحيات.. بهذه المعادلة ستكون العودة الى فلسطين وكل ارض محتلة كما كانت العودة الى جنوب لبنان..