21-10-2019 12:48 AM بتوقيت القدس المحتلة

صناعة المستقبل" لتشومسكي : حين يباع الحق بـ"موضوعية"

صناعة المستقبل

حين يقدم حل الدولة الواحدة يشرّع مفهوم الاحتلال ويصبح زيفاً شكلاً من العملية الحضارية التي من المفترض أنه يدافع عنها وعن أسسها الثابتة في حق الوجود لأصحاب الأرض الأصليين. ولكن فات تشومسكي أن يخبرنا من هو حاكم هذه الدولة؟!

غلاف كتاب صناعة المستقبل"المخالف على الدوام نعوم تشومسكي يعرف متى وكيف يستهدف برمياته التدخل العسكري الأميركي في العالم"، هذه الجملة تذيل الغلاف للكتاب الأخير لأبرز مثقفي العالم هو أبو علم اللسانيات الحديث المفكر اليهودي الأميركي نعوم تشومسكي الذي لا ينفك يبهرنا بانتقاده اللاذع لسياسيات بلاده وتدخلاتها في دول العالم تحت مسميات حضارية تدعيها وتبرع في تغطية إجرامها بمسميات إعلامية خطورتها لا تقل أهمية عن فكر صنّاع السلطة الأقوى في العالم.

«صناعة المستقبل، الاحتلال، التدخلات الإمبراطورية والمقاومة» هو الجزء الثاني من سلسلة الأعمدة المضادة (Op-ed) التي يكتبها تشومسكي شهرياً لصحيفة «نيويورك تايمز». صدر الجزء الأول «تدخلات» عام 2007 (صدرت ترجمته العربية تحت عنوان «مداخلات» عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ــ 2008)، وضمّ المقالات المنشورة بين عامي 2002 و2007. أما الكتاب الثاني فضمّ المقالات المنشورة منذ شهر نيسان (أبريل) 2007، وصولاً إلى تشرين الأول (أكتوبر) 2011.

تغيير العالم يحتاج إلى فهمه أولا :

يأتي كتابه الأخير (منشورات شركة المطبوعات للتوزيع والنشر) رداً معرفياُ لامعاً على تصريح لكبير مستشاري الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش حين قال بشكل استفزازي لشعوب العالم :"نحن نؤلف إمبراطورية اليوم وعندما نتصرف نصنع واقعنا الخاص، وفيما تحلّلون الواقع بتبصّر، سنتصرف من جديد لنخلق واقعاً أخر يمكنكم تحليله أيضاً، وهكذا تسير الأمور. فنحن صنّاع التاريخ.. وأنتم جميعاً ستحلّلون أعمالنا ليس أكثر". يبرهن تشومسكي لهذا المستشار أن حركة التاريخ تسير معاكسة لتطلعاته، فها هي حركة "احتلوا وول ستريت" في بوسطن تناقض تصريحاته فقد فجرت الانتهاكات هذه الحركة وهي عدم المساواة وانتزاع الحقوق وغطرسة رجال السلطة وخداعهم.

إذ تتناول مقالات هذا الكتاب مواضيع شتى في السياسة الخارجية الأميركية: صعود الصين كقوة عالمية جديدة، تطورات أميركا اللاتينية، البرنامج النووي الإيراني، الصراع الفلسطيني _ الإسرائيلي، وحركة «احتلوا وول ستريت». وسنجد في التصدير الذي قدّم فيه جون ستيكني (المحرر في «نيويورك تايمز») للكتاب الاقتباس الشهير لماركس «لا تقتصر المهمة على فهم العالم بل على تغييره». وقد ورد على لسان تشومسكي خلال خطابه الموجّه إلى متظاهري حركة «احتلوا»، وأكمله تشومسكي بالقول «لكن لا بد من التيقن أنّ تغيير العالم يحتاج حتماً إلى فهمه». بهذه الروح النقدية، سيتابع تشومسكي مقالاته لتحليل أحداث العالم، وللنقد الشرس للسياسة الأميركية.

أي تصّور عادل حل الدولة الواحدة ؟!..

رغم تركيز الكتاب على كوريا الشمالية، وأميركا اللاتينية والصين، إلا أنّ تشومسكي يُفرد مقالات عدة للحديث عن المنطقة العربية، ولا سيما الوضع الفلسطيني المأسوي سياسياً وإنسانياً. في هذه المقالات،

يحمّل تشومسكي مسؤولية إخفاق المفاوضات لإسرائيل والولايات المتحدة بالقدر نفسه، إذ يرى أن الولايات المتحدة «شريك كامل» في الاعتداء والاحتلال. ويشير ساخراً إلى أنّ مفاوضات طابا في العام 2001 كادت تحقق النجاح لأن الولايات المتحدة «لم تكن موجودة كوسيط». ولكن مع يقدّمه تشومسكي من رؤية موضوعية تقف إلى جانب الحق الفلسطيني في صراعه مع الكيان الصيهوني، إلا إنه لا يبدو واضحاً في رؤيته للحل النهائي للقضية الفلسطينية، فيما يؤكد بتحليلاته أن كلاً من إسرائيل والولايات المتحدة تدعيان نفاقاً قبولهما بحل الدولتين، وهو بدوره يراه مستحيلاً، لكنّه يميل إلى حل الدولة الواحدة.

نعوم تشومسكي المثقف الأبرز في العالموفي هذا سقوط مزري لرؤيته التنويريه حين ينسف تماماً الحق التاريخي للشعب الفلسطيني بضرورة استرجاعه أرضه ونيل استقلاله مثله مثل أي شعب في العالم تعرضت أرضه للاغتصاب وسرقت منه الهوية والالتزام الوطني. فحين يقدم حل الدولة الواحدة يشرّع مفهوم الاحتلال ويصبح شكلاً من العملية الحضارية التي من المفترض أنه يدافع عنها وعن أسسها الثابتة في حق الوجود والتنوع والبقاء لأصحاب الأرض الأصليين. ولكن فات تشومسكي أن يخبرنا في كتابه من من المفترض أن يكون حاكم هذه الدولة الواحدة؟! هل سترضى الصهيونية بمشاركة الفلسطينيين لها في الحكم وإدارة البلاد؟!.. وهو أدرى الناس بمساعي "إسرائيل" الحثيثة لتثبيت مفاهيم يهودية الدولة وسعيها الدؤوب لطرد الفلسطينيين من القدس والضفة الغربية؟!!..

فما الجدوى من حديثه عن المقاومة حين يطالبها برسالة ضمنية بيع تأريخها وحضارتها التي عمرها الاف السنين للحصول على فرصة عيش تمنحها أياها الدولة الواحدة مع محتل لأرضه ولثقافتها ومغتصب لخيراتها؟!! فأي تصور عادل هو هذا الذي ينتهي إليه مفكر كبير مثل نعوم تشومسكي؟!..

النظام الأميركي العقبة الوحيدة أمام السلام في العالم..

ويتضمن الكتاب تحليلاً ثقافياً سياسياً ثرياً للخطاب السياسى للمحافظين الجدد، الذين هيمنوا على إدارة الرئيس السابق جورج بوش، وكانوا وراء سلسلة من القرارات الكارثية لأميركا والعالم. كما يتناول قضايا بالغة الأهمية للعالم العربي على وجه الخصوص، ويحلل طبيعة الدوافع والقوى التي كانت وراء قرارات خطيرة مثل غزو العراق، ويسلط أضواء كاشفة على مواقف قيادات وزارتي الخارجية والحرب ووكالة المخابرات المركزية.

وإذا كان بعض المعلقين والنقاد بالصحافة الغربية من أصحاب النزعة أو التوجهات اليمينية قد تحدثوا عن مخاطر"شيطنة أميركا" ورأى بعضهم أن تشومسكي وقع في فخ الشيطنة فإن هذا المثقف يؤكد  بكتابه من جديد مواقفه المبدئية الرافضة لدعاوى الحروب التوسعية والأوهام الإمبراطورية، معيدا للأذهان أنه عارض الحرب الأميركية على العراق منذ البداية.

وينتقد تشومسكي في كتابه الجديد بشدة أولئك الساسة الأميركيين المنتمين للتيار الليبرالي، الذين عارضوا الحرب الأميركية على العراق، ليس بسبب الخطأ المبدئي لهذه الحرب، وإنما بسبب تكاليفها الكبيرة ومخاطرها الجسيمة أو لأن بعضهم رأها "غير ضرورية وغير مضمونة النجاح".. ومن هؤلاء الساسة الذين انتقدهم تشومسكي بسبب هذا الموقف الانتهازي الرئيس الحالي باراك أوباما والسابق بيل كلينتون، بينما يتعمق فى عملية التحليل لطبيعة الحرب الأميركية على العراق ليخلص إلى أنها تعبر بجلاء عن الإمبريالية بقدر ما تكشف عن جوهر الطابع الإجرامي والشرير لنظام يحلو له أن يضع للآخرين معايير الديمقراطية.

ويرى تشومسكي بكتابه الجديد أن أميركا بهذا النظام تشكل في الواقع العقبة الحقيقية والوحيدة أمام السلام بالعالم، متهماً النخبة السياسية المهيمنة على دوائر صنع القرار بواشنطن بأنها تعمد لتعقيد المشاكل بالعالم بدلا من حلها.

ويؤكد تشومسكي أن ما أسماه "نزاع الشرق الأوسط" من صنع أميركا وإسرائيل، كما أن ما يسمى النزاع الأفغانى هو بالأصل صناعة أميركية خالصة، محذرا من أن واشنطن تسعى وستسعى بالمستقبل لزيادة التناقضات وأسباب الكراهية بين الصين والهند. ويمضي تشومسكي في عملية التحليل الثقافي السياسي ليقول إن كل هذه السياسات الأميركية تعزز رغبة النخبة الحاكمة، وهي وفق تعبيره بصفته أحد أبرز علماء اللغويات بالعالم "تكريس قوة الشر الأميركية المتفردة" وبما يشكل حالة فريدة بالتاريخ وربما أيضا بالمستقبل.

تغيير النمط الثقافي

ويأتي كتاب تشومسكي الجديد في وقت تعاني فيه الرأسمالية الأميركية من أزمة عميقة استدعت الكثير من المراجعات للنموذج الأميركي. ويحمّل تيار المحافظين الجدد - الذى مازال مسموع الصوت حتى بعد رحيل إدارة بوش- الكثير من أوزار الصورة الشائنة للولايات المتحدة بالعالم، رغم أنه يتفق مع ما يقوله هذا التيار من أن أميركا هي مركز العالم. لكن السؤال الفارق "هل  أميركا مركز للخير أم الشر؟!" ولعل السؤال الأخطر "ماذا عن المستقبل إن استمر هذا النمط من التفكير لدى النخبة الحاكمة بواشنطن؟".. في وقت يراهن البعض على أن هذا المستقبل يتجه للأفول بين ارتباكات الداخل وشماتة الخارج. أما الطريف فهو "حالة الإنكار" التي تعتري بعض سدنة المحافظين الجدد بنمط تفكيرهم وثقافتهم التى تكاد تودي بالحلم الأميركي ككل.

وإذا كانت القوة الأميركية قد بلغت ذروتها في العام 1945 مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانتصارها الكبير بهذه الحرب الكونية، كما يذهب البعض، فإن تشومسكي يرى أن هذه القوة تتراجع الآن بشكل واضح للعيان.

غير أن الأمل لأميركا والعالم - كما يرى المفكر الأميركي- يكمن فى الناخب الأميركي إن تمكن عبر صندوق الانتخابات من إسقاط ما يسميه "نمط ثقافي أفضى لحالة من الاختلال العقلي الحاد في المجتمع الأميركي". فمن وجهة نظره فإن الوقت قد حان ليدافع المواطن الأميركي عن حلمه في السعادة ويلحق الهزيمة بثقافة سادت على مدى العشرين عاما الأخيرة، ولم يتمكن أوباما من هزيمتها بصورة جذرية. ..

وباستغراب شديد نسأل تشومسكي هل هذا الاختلال العقلي في النمط الثقافي الأميركي- وفق تعبيره- هو وليد العشرين سنة الأخيرة؟!!.. كيف يناقض نفسه عندما يحلّل النزعة الإمبريالية والاستعلائية لحكومات الولايات المتحدة المتعاقبة في تعاطيها مع دول العالم وشعوبها وكتبه كلها شاهدة على ذلك... وكيف يمكن أن نفسر ابتعاد هذا الاختلال العقلي عن الحقبة التاريخية الأولى لنشأة أميركا نفسها عندما أبادت الهنود الحمر السكان الأصليين لقارة أميركا؟!!.

ورغم أنّ الفترة التي يغطيها الكتاب تسبق ما يسمى «الربيع العربي»، إلا أنه لا يخلو من بعض الإشارات والتنبؤات بشأن مستقبل العالم العربي الذي  كان «يغلي بفعل الانتفاضات»، وليس مصادفة أن تتمحور المقالات الأخيرة من الكتاب (في عامي 2010 و2011) حول موضوعين أساسيين، هما: استيلاء الشركات على السلطة الفعلية للدول، والانهيار التدريجي للأنظمة في العالم. ولهذا يختتم تشومسكي كتابه بأن مصدر الخطر الفعليّ من الغليان الشعبي في هذه المنطقة أو تلك هو الاستقلال عن السياسة الأميركية، ولكنه يستدرك لبتابع أن المقصود هو الاستقلال عن أي سلطة.. وفي هذا الختام يفتح النقاش عميقاً حول أي سلطة يقصد، وما مقصوده من هذا الاصطلاح السياسي الذي يبدو للوهلة الأولى أنه تنظيم وإدارة لحياة الشعوب..؟!!.