20-06-2021 03:56 AM بتوقيت القدس المحتلة

عملية "كوندور" .. تفاصيل الدقائق الأخيرة من حياة الحريري 4/5

عملية

نسرد في هذا الجزء من التحقيق تفاصيل عملية الإغتيال كما وردت في تقرير عضو اللجنة الإدارية لجمعية الأطباء الأميركيين العرب الأستاذ الدكتور مفيد الصواف .

بعد أن بات المتورطون في التحضير لعملية اغتيال رفيق الحريري وتنفيذها معروفين، وبعد أن استعرضنا في الجزء الثالث كيف تورطت جهات عالمية ولبنانية بهذه العملية وصولاً إلى الفخ الذي أوقع به السفير الأميركي السابق جيفري فيلتمان رفيق الحريري. نسرد في هذا الجزء من التحقيق تفاصيل عملية الإغتيال كما وردت في تقرير عضو اللجنة الإدارية لجمعية الأطباء الأميركيين العرب الأستاذ الدكتور مفيد الصواف.

وقبل التطرق إلى تفاصيل عملية الإغتيال لا بد من الإشارة إلى أنه كان من المقرر تنفيذ العملية يوم الجمعة 11 شباط 2005 إلا أن الجهة المخططة قامت بتأجيل موعد التنفيذ لثلاثة أيام، وذلك بسبب سوء فهم في التعليمات ما بين العناصر اللبنانية التابعة للموساد الإسرائيلي والعناصر اللبنانية الأسترالية الموكل أحدهما بالعملية الانتحارية مع مركزي العمليات في مقر الأمم المتحدة وفي السفارة الأميركية في بيروت. وقد حدث هذا الخلل نتيجة زحمة سير فاجأت المخططين بعد خروج الحريري من المسجد (مسجد محمد الأمين) بعد صلاة الجمعة.

إنه الاثنين 14 شباط 2005، وهو اليوم الأول في دورة تستمر لثلاثة أيام في البرلمان لمناقشة القانون الانتخابي.
الساعة تشير إلى 11:55 صباحاً، أبلغ يحي العرب (ابو طارق) الرئيس الحريري بأن المتحدث باسم الأمم المتحدة في بيروت نجيب فريجي وبعض الصحافيين متواجدون في مقهى "اتوال" المواجه للبرلمان في الجانب الآخر من "ساحة النجمة" وهم بانتظاره. فقال الحريري لأبي طارق بأنه سينضم إليهم في وقت قريب. وكان حينها جالساً في الغرفة الرئيسية للبرلمان مع مروان حمادة وغازي العريضي وعدد من زملائه الآخرين وقد هيمن القانون الانتخابي على المحادثة.

الساعة 12:15 بعد الظهر، كان نجيب فريجي وهو تونسي أنيق المظهر يدخن السيجار ويترأس مكتب المعلومات (فرع الـ C.I.A التابع للامم المتحدة)، قد تدبر أمر لقاء بعض الصحافيين المرموقين في لبنان ليوجز لهم نتائج لقاء في دمشق جرى الخميس السابق بين تيري رود لارسن  والرئيس بشار الاسد. كان أربعة صحافيين بارزين جالسين حول الطاولة مع فريجي، ومن بينهم علي حماده من صحيفة النهار اللبنانية ، ووليد شقير من صحيفة الحياة. وبينما كانوا يتحادثون دخل أبو طارق العرب، الحارس الشخصي للحريري ، المقهى وأخبر فريجي بأن الحريري سوف يكون معه بعد دقائق قليلة. وكان من المعتاد أن فريجي والحريري يستغلان من حين لآخر الفرصة في تبادل الآراء والمعلومات.

الساعة 12:35 بعد الظهر، عبر رفيق الحريري ساحة النجمة نحو مقهى "اتوال" ودخل المقهى وتداول معهم أمور مجلس النواب، إلا أن نجيب فريجي طلب خلوة للتحادث مع الحريري بخصوص حزب الله وتسليم سلاحه. فنصح الحريري فريجي بوجوب قيام الأمم المتحدة بالتعاطي مباشرة مع الحزب. قال الحريري بعدها لفريجي : تأكد من إخبار الأميركيين بذلك قبل ذهابك، وإلا فانهم سيقلقون.

الساعة 12:42 بعد الظهر، كان الموكب ينتظر على احد جانبي الطريق قرب مبنى البرلمان. أبلغ أبو طارق شرطي المواكبة ومساعده طلال ناصر الطريق التي يجب سلوكها للعودة إلى قريطم. كان ذلك آخر لقاء للحريري مع المراقب والراصد الأول (عميل الـ C.I.A  في فرع الامم المتحدة)  نجيب فريجي. والذي بدوره بلّغ المراقب الثاني المتمركز في مقر الامم المتحدة في الطابق الثامن ، والذي أكد بدوره ما يشاهده وما يراه عبر الرؤية المباشرة و عبر الرؤية الغير المباشرة وذلك من خلال شاشة مراقبة الكترونية مربوطة بالستلايت، شاهد خروج موكب الحريري من ساحة النجمة عبر الطريق المؤدي إلى الـ"سان جورج". وبدوره نقل المعلومة للمراقب الثالث المتواجد على طريق الموكب. كانت على الشاشة نقطتان ضوئيتان احداهما حمراء تمثل شاحنة الـ"ميتسوبيشي"، والأخرى خضراء تمثل تحركات وتنقلات الرئيس رفيق الحريري. كان في مركز المراقبة والتحكم على الشاشة الموصولة بالأقمار الصناعية الضابط الأمني للـ ـ C.I.A في فرع الأمم المتحدة يوجين جولدمان. وعلى الطرف نفسه كانت في السفارة الأميركية شاشة مراقبة أخرى تولى متابعتها ومراقبتها روبرت ميلر من الـ F.B.I  في السفارة الاميركية.

الساعة 12:53 بعد الظهر، انتهت المحادثة في مقهى "اتوال" وخرج الحريري برفقة باسل فليحان واتجها نحو الموكب المنتظر، فدخل فليحان سيارة المرسيدس المصفحة وجلس في مقعد الراكب الأمامي بينما كان الحريري يلوح لفريجي والمراسليين الصحافيين مبتسماً من مقعد القيادة لهذه السيارة. وفي مؤخرة الموكب سيارة الاسعاف، وهي شفروليه (Chevrolet) معدلة ، حيث كان يجلس رشيد حمود وهو اختصاصي الطوارئ الاسعافية في مستشفى الجامعة الأميركية، أما سائقها فهو محمود عويني، والمسعف الطبي الثاني هو مازن الذهبي. وكانت سيارة من طراز تويوتا لاند كروزر تتقدم الموكب ويجلس فيها اربعة شرطيين من قوى الأمن الداخلي، وتتبعها سيارة  مرسيدس (S-500) يقودها عامر شحاده برفقة حارسين شخصيين هما محمد رضا في المقعد الأمامي وحسن عجوز في المقعد الخلفي. وكانت سيارة الحريري المصفحة الثالثة(S-600) تتبعها سيارتا مرسيدس تحمل كل منها ثلاثة حراس شخصيين، وكان ابو طارق يجلس في المقعد الامامي في السيارة الرابعة. ويحمل الحراس الشخصيون الجالسون في المقاعد الأمامية مسدسات رشاشة من طراز "هيكلر اند كوتش" وهي أسلحة صغيرة وخفيفة الوزن. ويحمل الرجال الجالسون في المقاعد الخلفية مسدساً أوتوماتيكياً من عيار 9 ميليمتر ومن طراز (بيريتا وغلوك)  يعلق في قراب بالكتف .

بدوران الموكب حول برج الساعة في وسط الساحة وسلوك الشارع مروراً بالسفارة الإيطالية باتجاه الواجهة البحرية، رصد المراقب الثاني من مبنى مقر الامم المتحدة حركة الموكب باتجاه الواجهة البحرية، فقام باتصال من هاتف نقال، وهو الإتصال الأول من اربعة اتصالات قام المراقب الثاني بإجرائها في الثواني القليلة التالية. وكانت مجموعة متلقي الاتصالات أي المراقب الثالث في الجوار يغطون الطرق المحتملة التي قد يسلكها الحريري باتجاه قريطم. في هذه الدقائق القليلة قام الموساد اللبناني وحدة (504) بإغلاق الطريقيين الآخرين المؤدية لقريطم بوضع حواجز تابعة لبلدية بيروت. كانت الهواتف النقالة الخاصة بالمراقبين، والتي دفعت رسومها مسبقاً، عدد ثمانية، تم التزود بها منذ أكثر من شهر. هذه الخطوط الهاتفية تم حصر المكالمات الهاتفية فيها حصراً مابين هؤلاء المراقبين لرصد ومراقبة الخريطة الميدانية لتحرك الحريري.

كان التسلسل في الأمر والادارة والمراقبة والرصد لموكب الحريري يأتي حسب التسلسل الآتي:
1-  المراقب الأول: من الـ C.I.A فرع الأمم المتحدة نجيب فريجي، يعاونه "ف. س." من أمام المجلس.
2- المراقب الثاني: من الـC.I.A  يوجين جولدمان والـF.B.I  روبرت ميلر.
3- المراقب الثالث: مجموعة (504) في الموساد اللبناني الذي يترأسه مائير داغان.
4- المراقب الرابع: مجموعة جند الشام والإنتحاري (مجموعة أحمد أبو العدس وخالد طه).

تلقى المراقب الرابع اتصالاً من المراقب الثاني المتواجد في ساحة النجمة (مبنى مقر الامم المتحدة)،  كان سائق عربة نقل بيضاء مقفلة من طراز "ميتسوبيشي كانتر" ، قد بقي بجانب فندق "سان جورج" منتظراً الاتصال. فتحرك الـ"فان" ببطئ شديد على الطريق العام، وكانت السيارات والشاحنات تنطلق بسرعة فيما كان السائق منطلقاً بسرعة 8 كيلومتر في الساعة حسب تعليمات وتوجيهات المراقب الثاني، ومرّ متجاوزاً المدخل الصغير المسقوف المؤدي إلى نادي الشاطئ التابع لسان جورج، وتوقف حسب التعليمات بعد أمتار قليلة.

الساعة 12:55 بعد الظهر، رأى سائق الـ"ميتسوبيشي" البيضاء من خلال مرآة سيارته اليسرى، الواقفة بجانب فندق "سان جورج" منذ أقل من دقيقة، السيارة الرمادية من طراز تويوتا لاند كروزر التي كان يستقلها رجال الشرطة، وهي تزداد حجما في مرآة سيارته، وقد كانت مندفعة بسرعة نحو الطريق المحاذي لمرفأ اليخوت التابع لسان جورج وتليها مباشرة سيارة المرسيدس التي يقودها عامر شحادة وبفارق زمني لا يتخطى جزءا من الثانية. كانت السيارة التالية التي مرت بجانب الـ"ميتسوبيشي"، هي الثالثة في الموكب، وهي سيارة الحريري المصفحة من طراز (S-600) ولدى مرورها بمحاذاته، ضغطت يد المراقب الثاني على مفتاح التحكم والضبط اللاسلكي، وذلك قبل التقاء النقطة الحمراء بالنقطة الخضراء الظاهرتان على شاشة المراقبة لديه، والتي هي بدورها موصولة بقمر التجسس الصناعي الاميركي، وبفارق زمني يُحسب بأجزاء الثانية. كانت حلقة الرصد والإشعال الالكترونية الموجودة في شاحنة التفجير تتفاعل في تلك الثانية مع حلقة الاستقبال والرصد الالكترونية الموجودة في موكب الحريري في لحظة تقارب والتقاء كلا من الضحيتين ضمن نطاق ومجال النقاط الوهمية السوداء.

انه اليوم صفر للاغتيال يوم الاثنين 14 شباط 2005، حيث تأجلت العملية لمدة 20 دقيقة ، لمزيد من التنسيق والتحكم والسيطرة، خلال فترة تأخير رفيق الحريري في توقفه في مقهى "اتوال" بعد اجتماع في البرلمان. ومع تحرك قوة الرصد الأرضية المحركة لشاحنة الـ"ميتسوبيشي" ، تم الربط والتحكم والتأكد من تحرك موكب الحريري مع تحرك الميتسوبيشي باتجاه الموقع X موقع الانفجار.

في اللحظة والتوقيت المناسب، في الساعة 12:56:26 بالتوقيت المحلي لمدينة بيروت في 14 شباط عام 2005، تم التفجير عبر شبكة معقدة من الارتباطات ذات الصلة الإلكترونية ما بين المفجر، والهاتف النقال، والستالايت الأميركي، والأواكس، وغرفة العمليات، والسيارة الملغمة بالأدوات الخاصة الإلكترونية المذكورة سابقاً، بالإضافة للكاميرا في البنك البريطاني (HSBC) والموجهه مسبقاً باتجاه التقاطع عند التقاء الضحيتين وهما موكب الحريري وشاحنة المتفجرات المربوطة بفريق الرصد والتحكم والمتابعة الأرضي. هذه الشيفرة موضوعة فقط للتشويش وللاستقبال على أجهزة التردد الموجودة لدى موكب الحريري وكذلك الموجودة في شاحنة الـ"ميتسوبيشي". تمت عملية التفجير في وقت تلاقي الضحيتين بغض النظر عن التعليمات المعطاة لسائق الميتسوبيشي (المراقب الرابع).

غادر المتطرفون اللبنانيون الأستراليون ، ستة دون رفيقهم السابع الانتحاري، وتم ترحيلهم دون حقائب سفر بعد ثلاثة ساعات من مقتل الحريري عبر مطار بيروت الدولي، وتمت التعمية على دورهم وتغطيته من خلال الـ C.I.A والمخابرات الأسترالية. المشتبه بهم الانتحاري الفلسطيني المدعوى احمد ابو العدس والمدعو خالد طه فقد اعتبرتهم لجنة التحقيق الدولية بصفة مفقودين حتى الآن. أما الشاهد نوار حبيب دونة فقد تمت تصفيته في حادثة سير، وهو بائع بطاقات للهواتف المحمولة من طرابلس، التي استخدمتها مجموعة الاغتيال من الموساد اللبناني.

هكذا تكللت عملية "كوندور" بالنجاح، إنه الإسم الذي تم وضعه لعملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

 

في الجزء الخامس والأخير: من النقاط الأربعة السوداء إلى استقدام هاينز ماهوني

 

الجزء الأول: عملية "كوندور" .. ما هي الدوافع الأميركية لإغتيال الحريري؟
الجزء الثاني: عملية "كوندور" .. كيف سرّع لقاء نصر الله – الحريري عملية الإغتيال؟
الجزء الثالث: عملية "كوندور" .. من هم المتورطون بإغتيال الحريري وكيف حضرت العملية؟