20-06-2021 04:53 AM بتوقيت القدس المحتلة

الحرب على خط العرض 33 .. والغاز هو الهدف

الحرب على خط العرض 33 .. والغاز هو الهدف

لكي نستطيع الكشف عن مخطط الولايات المتحدة للسيطرة على ما يسمى "المنطقة الأميركية الوسطى" بشكل كامل، لا بد لنا من شرح الأهمية الإستراتيجية لـ"خط العرض 33"

لكي نستطيع الكشف عن مخطط الولايات المتحدة للسيطرة على ما يسمى "المنطقة الأميركية الوسطى" بشكل كامل، لا بد لنا من شرح الأهمية الإستراتيجية لـ"خط العرض 33" الذي يمر في أكثر الأماكن حساسية في هذه المنطقة، والذي نذكّر بأنه التسمية الحديثة لـ"طريق الحرير" في الإستراتيجية الأميركية للقرن 21.

وكما يشير الدكتور عماد رزق، مدير عام "الاستشارية" ومؤلف كتاب "طريق الحرير في القرن الحادي والعشرين"، فإن طريق الحرير القديم والذي امتد من الصين مروراً بمناطق وسط وجنوب آسيا وبلاد فارس والمنطقة العربية وصولاً إلى مصر وشرق أفريقيا وجنوب غربي أوروبا.

كان هو طريق التجارة الرئيسي والأهم في العالم والذي جرت على محوره أهم التبادلات التجارية التي ازدهرت بين الحضارات الواقعة على هذا الطريق، ولم يتعلق الأمر بالتجارة فقط فهذا الطريق كان سببا رئيساً للتبادل الثقافي والديني بين الشعوب الواقعة عليه، ومن ثم فهو المدخل لفهم الطبيعة التي حكمت العلاقات الدولية في ذلك العصر.

أما الأهم من ذلك فنكتشفه عند الإطلاع على تاريخ صراعات وحروب الحضارات، حيث نلاحظ بأن غالبية الصراعات التاريخية تمحورت حول السيطرة على هذا الخط، فالإمبراطوريات المختلفة الواقعة في الشرق الأقصى توجهت غرباً على امتداد الخط في توسعاتها، كما أن اكتشاف الإسبان لقارة أميركا حدث صدفة عند محاولتهم تجاوز الدولة الإسلامية بحراً والوصول إلى الهند التي تقع على طريق الحرير، وبالنسبة للمسلمين فهناك الكثير من التساؤلات حول أسباب توقف الفتوحات الإسلامية في عصور الفتوحات الأولى عند حدود طريق الحرير رغم إمكانية التوجه شمالاً وعبور أوروبا من شرقها أو جنوباً باتجاه أفريقيا.

 مسار خط أنابيب "نابوكو" (Nabucco)

طريق الحرير الجديد "خط العرض 33" لا يشكل بالضرورة درباً للقوافل التجارية ولكنه يماثل أهمية الخط القديم في كونه شريان الطاقة الرئيسي في العالم، فهذا الخط الذي لا يختلف كثيراً عن الخط القديم هو خط إمدادات الطاقة والنفوذ بدءاً من الصين ومروراً بحدود الهند ووسط آسيا وإيران وانتهاءاً بالمنطقة العربية وأوروبا. وكما حاول الإسبان الإلتفاف على العرب في زمن غابر، حاول الأوروبيون في السنوات الأخيرة اتباع المخطط نفسه مع روسيا والتخلص من حاجتهم لها لتأمين الغاز للقارة العجوز، فمنذ ظهور الخلافات الروسية ـ الاميركية في اوكرانية والتي ترجمت في بداية العام 2009 بوقف موسكو إمدادات الغاز عن أوروبا، بدأ الأوروبيون بالعمل على مخطط جديد يسمح لهم بالالتفاف حول امدادات الغاز الروسي، وجاء تطبيق هذا الأمر في تموز 2009 من خلال التوقيع في أنقرة على اتفاقية مشروع خط أنابيب "نابوكو" (Nabucco) لنقل الغاز من آسيا الوسطى والمنطقة العربية مروراً بتركيا ونحو عمق الاتحاد الأوروبي، وقد أطلق القادة الأوروبيون عليه "مشروع القرن" ودعمته الولايات المتحدة، إلا أن موسكو وصفته بأنه "مشروع معادي لروسيا".

ولكن هذا الخط والذي من المفترض أن يمتد ما يقارب مسافة 3300 كيلومتر والذي يعتمد في الأصل على نقل الغاز الطبيعي من تركمانستان التي تملك رابع أكبر احتياطي من الغاز في العالم، واجه ضغوطاً روسية تسببت في تراجع تركمانستان ودول وسط آسيا عن انضمامهم للمشروع.

قزوين وبداية انهيار الحلم الأميركي

تركمانستان، جارة روسيا دولة منغلقة جغرافياً ولا تطل على أي بحر مفتوح، ولذلك عليها أن تمرر تجارتها وغازها عبر روسيا، ولكنها تطل على بحر قزوين المغلق، بل أن أكبر حقول الغاز فيها تقع بالقرب من ساحل قزوين، وفكرة خط "نابوكو" هي تمرير خط أنابيب عبر قزوين يحمل غاز تركمانستان إلى أذربيجان ومنها إلى خط أنابيب "نابوكو". ولكن برز خلاف سياسي - قانوني مستعصي على الحل بين الدول المطلة على قزوين فيما إذا كان المسطح المائي هو بحر فتتقاسم الدول المحيطة به مياهه وثرواته حسب طول شواطئها أم أنه بحيرة فيتم تقاسمه بالتساوي. فكل من تركمنستان وأذربيجان تصران على أنه بحر، وبالتالي فلا حق لأي دولة أخرى مطلة على البحر في حقول النفط والغاز على شواطئ تلك الدولتين. أما روسيا فترى أنه بحيرة متجددة بمياه أنهار الڤولگا وغيره، عدا عن سيطرتها العسكرية الكاملة على البحر، الأمر الذي يجعل من المستحيل ليس فقط إنشاء خط أنابيب الغاز عبر قزوين، بل تطوير تركمنستان أو أذربيجان لأية حقول غاز على سواحله، وبالتالي اختفى المصدر الأساسي للغاز لمشروع "نابوكو".

ومع تيقن مخططي المشروع إلى استحالة مشاركة تركمانستان فيه، اتجه التفكير إلى مصادر بديلة، وأيسر تلك البدائل هو غاز أذربيجان، إلا أن كل غاز أذربيجان يأتي من حقل "شاه دنيز" الذي تديره شركة "ب پ"، ومرحلته الحالية قد تم بيعها بالكامل لتغذية خط أنابيب تركيا-اليونان-إيطاليا، ومرحلته التالية لن تأتي قبل عام 2014، أي بعد سنة من تاريخ الافتتاح المزمع لخط "نابوكو"، وحتى حينئذ فقد تبيع أذربيجان هذا الغاز لروسيا.

بعد أذربيجان تأتي صاحبة ثاني أكبر احتياطي للغاز في العالم، أي إيران، إلا أن التزام الاتحاد الاوروبي بعقوبات الأمم المتحدة على إيران يستبعدها كمصدر. وحتى لو لم تستبعدها العقوبات فالعلاقات الإيرانية-الروسية كفيلة بحجب الغاز الإيراني عن الأوروبيين والأميركيين، وهذا ما حدث فعلاً. أما أوزبكستان فلديها احتياطي قدره 1,8 بليون متر مكعب من الغاز إلا أنها وقعت عقداً في كانون الأول 2008 لبيع كامل انتاجها من الغاز لروسيا لمدة 10 سنوات.

بداية الحرب على الشرق الأقصى في سورية

وأمام هذا الواقع المعقد، لم يعد أمام الغرب الأطلسي حلاً إلا السيطرة على خط العرض 33 بشكل كامل، فكلنا نعلم أن أغلب الحروب التي شنتها أميركا وأوروبا كان هدفها الأساسي السيطرة على النفط ومشتقاته، وهذا ما ظهر جلياً عند احتلالهم العراق وأفغانستان. وعدا عن ذلك فإن المتضرر الأكبر من الفوضى في الشرق الأوسط هو الشرق الأقصى وفي المقدمة الصين والهند اللتان تعتبران أكبر مستهلكتين للنفط والغاز مستقبلا في مقابل المستهلك القديم المتمثل بأوروبا والولايات المتحدة. فغدا خط العرض 33 مدار صراع حقيقي في العصر الحديث يماثل الصراع على خط الحرير القديم، لكنه أكثر حماوة، وخسائره تقدر ببليارات الدولارات، خاصة وأن اللاعبين على مسرح الأحداث في النظام العالمي هم اليوم أكثر قوّة وعدداً ...  لكن الصراع لم يعد صراعاً... بل تحوّل إلى حروب مستترة على خط العرض 33 .. والغاز هو الهدف.

يتبع ... إيران هي الهدف التالي
للتواصل مع نادر عزالدين على بريده الإلكتروني
Nader.ezzeddine@hotmail.com