03-12-2022 06:06 PM بتوقيت القدس المحتلة

قصة الهروب الكبير: أركان الانسحاب الإسرائيلي... تنهار

قصة الهروب الكبير: أركان الانسحاب الإسرائيلي... تنهار

اقترح أشكنازي أن تكون ليلة الأربعاء، 31 أيار 2000، موعداً للانسحاب، وذلك لإمكان الاستفادة من ظلمتها الحالكة نظراً إلى غياب القمر فيها، بحيث يمكن الجيش تنفيذ الإخلاء قبل أن يدرك حزب الله ما يحدث، على حد قول

باراك حين كان قائدا لجيش الاحتلالعندما قطع إيهود باراك عهده الشهير بالانسحاب من لبنان، لم يكن يضع في أسوا حساباته الوصول إلى وضع يُفرض عليه فيه الانسحاب تحت النار، ومن دون أي مكاسب أو إنجازات سياسية وأمنية. «الورقة الانتخابية الرابحة» تحولت سريعاً إلى عبء جعل باراك رهينة وعده المقيّد زمنياً، ما قلص أمامه هامش المناورة وأفقده وجيشه زمام المبادرة بصورة تامة.


إعداد: محمد بدير / جريدة الأخبار
بعد أسبوع من انتخابه رئيساً للوزراء في السابع عشر من أيار 1999، تحدث إيهود باراك عن تصوره السياسي والعسكري للانسحاب من لبنان وعرضه على رئيس الأركان آنذاك شاؤول موفاز طالباً منه إعداد الجيش رسمياً لتنفيذ المهمة ضمن اتفاقٍ مع سوريا. تشاؤم باراك دفعه إلى الطلب من رئيس أركانه الاستعداد للانسحاب الأحادي من دون اتفاق على أساس قرار مجلس الأمن 425 وتأييد الأمم المتحدة. بل إنه ذهب بعيداً في طلب الاستعداد لسيناريو ثالث شدد على ضرورة إبقائه سراً: الانسحاب من دون اتفاق مع سوريا أو تنسيقٍ مع الأمم المتحدة، بحيث تنفذ إسرائيل القرار 425 تنفيذاً أحادياً.


موفاز، الذي عارض الانسحاب الأحادي، بادر إلى توزيع المهمات وقرر أن تكون قيادة المنطقة الشمالية مسؤولة عن الإعداد والتخطيط لعملية الانسحاب، الأمر الذي تلقفه قائد المنطقة، غابي أشكنازي، وأمر بإنشاء «طواقم تفكير» للمهمة تضم ممثلين من أسلحة الجو والبحرية والاستخبارات العسكرية، إضافة إلى الشاباك. استغرقت بلورة الخطط ذات الصلة داخل الجيش نحو ستة أشهر، وفي الأسبوع الأخير من عام 1999 عرض باراك على قيادته مشروعاً للانسحاب ضمن اتفاق تمحور حول جملة نقاط أساسية هي: تسليم الجيش اللبناني المواقع بطريقة منظمة، إنشاء جهاز ارتباط بينه وبين الجيش الإسرائيلي، تجريد حزب الله من سلاحه في الجنوب، استيعاب جيش أنطوان لحد في الجيش اللبناني ومنح أفراده عفواً يتيح لهم مواصلة حياتهم المدنية على نحو طبيعي. خلال الجلسة حذر أشكنازي من أن «انهيار جيش لبنان الجنوبي قد يؤدي إلى انهيار جميع الخطط»، الأمر الذي فرض من الناحية الميدانية التخطيط والاستعداد لانسحابٍ أحادي.


إشكنازي المصاب بالخيبةمطلع عام 2000، نفذت المقاومة عمليات عدة قتلت فيها خلال أسبوعين سبعة جنود إسرائيليين وجرحت عدداً آخر. وقد كان لهذه العمليات مفاعيل مباشرة على الجمهور الإسرائيلي حيث عبّر 57% منه في استطلاعات الرأي عن تأييدهم لانسحاب أحادي.

إثر ذلك، التقى موفاز بعض قادة الجيش الإسرائيلي، من ضمنهم قائد المنطقة الشمالية، وطلب منهم إعداد خيارات للانسحاب الأحادي من دون اتفاق، وبسرّية قصوى. إلا أنه تبين لاحقاً أن أشكنازي وطواقمه كانوا قد بدأوا يخططون لانسحابٍ أحادي قبل أن يُطلب منهم القيام بذلك. فقد كان قائد المنطقة الشمالية مقتنعاً بأن انهيار جيش لحد سوف يعجل الانسحاب.

بعد فترة قصيرة، قدّم الجيش لباراك خطتين بشأن التعامل مع جيش لحد بعد الانسحاب: الأولى تقوم على إعداده للدفاع عن نفسه، على أن يدعمه الجيش الإسرائيلي بالنار والسلاح والذخائر، وهذا ما أراده أنطوان لحد وأيدته القيادة الشمالية. والخطة الثانية تنطلق من تفكيك جيش لحد، على أن تستوعب إسرائيل من يرغب منهم في اللجوء إليها. في الموازاة أنشئت مديرية مشتركة من وزارة الدفاع والجيش والشاباك لإعداد الخطط السرية لاستيعاب العناصر اللحدية في إسرائيل. وفي شهر نيسان 2000 استدعى باراك القائد الأسبق للمنطقة الشمالية، يوسي بيليد وكلفه مهمة تنسيق الجهود على هذا الصعيد.


 في الخامس من آذار 2000، اجتمعت الحكومة الإسرائيلية لمناقشة موضوع الانسحاب. إلا أن باراك لم يدعُ إلى الاجتماع أي مندوب عسكري، معللاً ذلك بإطلاع جميع الوزراء على رأي الجيش الذي يعارض رئيس أركانه انسحاباً أحادياً. مع حسم الوجهة العامة للأمور، بدأت الاستعدادات في قيادة المنطقة الشمالية تتسارع، رغم أن كلّ شيء كان لا يزال يحصل في الخفاء. في موازاة تحضيرات الجيش الإسرائيلي، كانت وتيرة فرار الجنود من جيش لحد تزداد، وسجلت ارتفاعاً ملحوظاً في شهري نيسان وأيار، حين بدأ الجنود يرفضون البقاء في المواقع البعيدة عن القرى. في مواجهة هذا الواقع، أبرقت قيادة المنطقة الشمالية لرئيس الأركان تفيده بأن جيش لحد بدأ بالتفكك. ونتيجة لذلك تشاور موفاز مع أشكنازي وقررا تقديم الجدول الزمني، فجاء الأمر الجديد: «على الجيش أن يكون جاهزاً للتحرك في الأول من حزيران بدلاً من 7 تموز كما كان مخططاً من قبل». لكن باراك لم يُغيّر في حينه موعد الانسحاب، لأنه كان ينتظر قراراً من مجلس الأمن يؤيد انسحاب إسرائيل وفقاً للقرار 425. ووفقاً للتقارير الإسرائيلية، طلب كوفي أنان مهلة أخرى من الوقت لتجنيد الدعم، وحثّ باراك على الصمود قدر المستطاع.


العميل انطون لحد مع غابي اشكنازي في محور لجيش لحد قبل انهياره في العام 2000في الحادي عشر من أيار، عقد أنطوان لحد لقاءً، وُصف بالحاسم، مع إيهود باراك. الضيف اللبناني حذّر باراك من اقتراب ساعة الحقيقة «وإذا لم تتحرك إسرائيل بسرعة فإن جيش لبنان الجنوبي سيتفكك بسرعة أي خلال أسبوع أو أسبوعين على أبعد تقدير». بعد أيام من هذا الاجتماع، أي في منتصف أيار، بعث أشكنازي بدوره رسالة رسمية الى رئيس الأركان حذّر فيها أيضاً من احتمال انهيار جيش لحد، وطالب بتقديم موعد الانسحاب. وشدد أشكنازي في رسالته على أن جنود الجيش الإسرائيلي سيكونون هدفا حياً لنيران حزب الله والسكان المحليين، كما حذر من التأخير في الاستعدادات الخاصة باستيعاب أفراد جيش لحد وتأهيلهم. وفي رسالته، اقترح أشكنازي أن تكون ليلة الأربعاء، 31 أيار 2000، موعداً للانسحاب، وذلك لإمكان الاستفادة من ظلمتها الحالكة نظراً إلى غياب القمر فيها، بحيث يمكن الجيش تنفيذ الإخلاء قبل أن يدرك حزب الله ما يحدث، على حد قوله. أما رئيس الأركان، فقد كان متحمساً بدوره لتقديم موعد الانسحاب بسبب توافر معلومات جديدة عن عمليات يخطط لها حزب الله.


 لكن باراك، الذي كان لا يزال يعارض انسحاباً فورياً، لم يتأثر بتحذيرات قائد المنطقة الشمالية، وقال له ولموفاز: «ننتظر قراراً من مجلس الأمن يدعو إلى تطبيق القرار 425 ويحول دون تمكين سوريا ولبنان من إعطاء المشروعية لحزب الله في مواصلة عملياته، وعندها فقط في بداية تموز ننسحب».


 في ظل الواقع الهش، بادر باراك، مساء العشرين من أيار، إلى عقد جلسة عاجلة للمجلس الوزاري المصغر لمناقشة الانسحاب المزمع من لبنان. قبيل انعقاد الاجتماع، أخذ أشكنازي أحد الوزراء إلى إحدى الزوايا وقال له «يجب الخروج الآن. هذه الليلة تماماً». وأوضح أشكنازي للوزير أن «الحزام الأمني قد ينهار في أي لحظة، والصفقة على حافة الانفجار، وجيش لبنان الجنوبي يدرك الوضع، قد يحدث هذا في كل ثانية وسينهار كل شيء آنذاك مثل برج من أوراق اللعب».


في أثناء الجلسة، أثير اقتراح الخروج فوراً، وأُشير إلى أنه إذا تم الانسحاب في غضون الليل، فسيكون من الممكن القيام بذلك على نحو منظّم، بحيث يصار إلى إجراء استعراض عسكري ونقل المسؤولية ولو بطريقة رمزية الى جيش لبنان الجنوبي والمغادرة مع رأس مرفوع. حظي الاقتراح بتأييد متحمس من الوزيرين حاييم رامون ومتان فيلنائي، فيما عارضه وزير الخارجية دافيد ليفي الذي كان لا يزال يؤمن بجدوى الاتصالات في الأمم المتحدة ويراهن على تحقيق نتائج مثمرة في سفره المزمع المقرر الى نيويورك. تبنّى باراك موقف ليفي بعدم الانسحاب في هذه الأثناء وانتظار ما ستفضي إليه الاتصالات السياسية.


عناصر من جيش العميل لحد في إحدى تحصيناتهفي هذه الأثناء، احتلت الخشية من تداعي الأوضاع داخل صفوف الميليشيا العميلة حيز الأولوية لدى قيادة الجيش الإسرائيلي التي سعت إلى إشاعة أجواء وسط عناصرها، مفادها أن القرار النهائي بالانسحاب لم يتخذ بعد وأن هناك احتمالاً للتوصل إلى اتفاق مع سوريا ينظم بقاءهم الآمن في قراهم. بل إن الجيش الإسرائيلي الذي كان قد بدأ العمل في الخفاء على إخلاء مواقعه من التجهيزات والأعتدة تمهيداً لتفجيرها عند الانسحاب، لم يبادر إلى القيام بذلك في المواقع اللحدية.


وفي هذا السياق، عقد أشكنازي وكبار ضباط وحدة الارتباط الإسرائيلية اجتماعاً في منتصف شهر نيسان مع كبار الضباط اللحديين في مقر قيادتهم الرئيسي في مرجعيون. الغاية من الاجتماع كانت محاولة طمأنة الضباط العملاء عبر قطع العهود لهم بأن إسرائيل لن تتركهم عندما تقرر الانسحاب. إلا أن المحاولة لم تكلّل بالنجاح، وفي طريقه إلى الطائرة سمع أحد الصحافيين أشكنازي وهو يقول لأحد الضباط الإسرائيليين: «لن ينتظرونا. سوف يهربون من مواقعهم قبل أن نقرر متى يحصل ذلك».


 انشغال أشكنازي بمعضلة جيش لحد دفعه إلى إجراء «لعبة الحرب»، في 21 أيار، بهدف فحص استعدادات قواته لسيناريوهات محتملة للانسحاب، بما فيها انهيار جيش العملاء قبل الموعد المقرر للانسحاب، في ظل خوض مواجهات مع حزب الله. خلال «اللعبة» تسلّم أشكنازي تقريراً عاجلاً يفيد بوجود مسيرة لمدنيين لبنانيين اقتحموا حاجزاً لقوات الطوارئ في منطقة القنطرة متوجّهين نحو قرية الطيبة والموقع اللحدي القريب منها. وأوضح التقرير، الذي نظر إليه أشكنازي بعين من يرى نبوءته تتحقق، أن عناصر جيش لحد في الموقع لاذوا بالفرار وأن الحزام الأمني بدأ ينهار.


 في ضوء هذه التطورات الميدانية، اجتمع أشكنازي بضباطه لإجراء تقديرات للأوضاع داخل مقر قيادة المنطقة في صفد، وكان على طاولة البحث قضيتان أساسيتان: القيام بعملية احتلال جديدة للموقع قرب القنطرة وقرية الطيبة، وكيفية منع حزب الله من السيطرة على قرى ومواقع أخرى. وكان واضحاً للجميع أن حزب الله سيحسن استغلال الواقع لأنه سوف ينظم مسيرات مدنية أخرى صبيحة اليوم التالي.


شباب المقاومة مع حشود الأهالي بعد اندحار الجيش الصهيوني العام 2000وفيما أوصى بعض الضباط أمام أشكنازي بإعادة احتلال موقع الطيبة ووقف الانهيار الحاصل، كان الأخير يعتقد أن الزج بقوة من الجيش الإسرائيلي في ضوء الحشود الشعبية والعسكرية لحزب الله سيكون بحاجة إلى غطاء مدفعي ودبابات ومروحيات مقاتلة لإسكات نيران حزب الله، وإلا فستقع خسائر فادحة. على الفور اتصل اشكنازي برئيس الأركان، شارحاً له اعتباراته وموصياً بعدم إعادة احتلال القرية. وافق كل من باراك وموفاز على ملاحظة اشكنازي: أي عدم العودة إلى الطيبة، ولكن عزلها ومحاولة وقف مسيرة المواطنين المتجهين صوب قرية حولا.


رئيس الأركان كان متحمّساً لتقديم موعد الانسحاب بسبب معلومات عن عمليات يخطط لها حزب الله اقترح إجراء استعراض عسكري ونقل المسؤولية إلى جيش لحد والمغادرة مع رأس مرفوع.  وفي صبيحة اليوم التالي، 22 أيار 2000، عند الثامنة صباحاً وصل موفاز إلى غرفة الحرب داخل مقر قيادة المنطقة الشمالية، حيث أخذ يشاهد برفقة اشكنازي على شاشة عملاقة صوراً تنقلها طائرات الاستطلاع المسيرة تُظهر كيف أن أفراد حزب الله ينظمون مسيرات ليس بعيداً عن الملالات البيضاء التابعة للأمم المتحدة. تناقش الجنرالان بشأن سبل الرد على هذا التطور، وبعد بحث طويل أحجما عن إصدار الأوامر إلى المروحيات بإطلاق النار على الحشود الشعبية خشية وقوع إصابات مدنية يمكن أن تعقّد الأمور المعقّدة أصلاً. عوضاً عن ذلك، فضّل الجنرالان الاتصال باليونيفيل للطلب إليها منع الحشود من اقتحام حواجز قواتها باتجاه المنطقة المحتلة، وهو الأمر الذي وعدت به قيادة قوات الطوارئ من دون أن تتمكن من تنفيذه على الأرض.


 عند الثانية عشرة ظهراً، توجه موفاز وأشكنازي إلى أحد المراكز في القطاع الأوسط للقاء باراك هناك. في الطريق، اتفق الجنرالان على أن ميليشيا لحد ستنهار كلياً خلال يومين أو ثلاثة أيام، واستقر رأياهما بعد التشاور مع القيادات العسكرية المعنية على تقديم توصية لباراك بانسحاب الجيش من الحزام الأمني في أقرب وقت ممكن. وعند الاجتماع بباراك، قدم له أشكنازي التوصية، فسأله الأول ماذا تعني بذلك؟ فأجاب أشكنازي «أنا على استعداد للانسحاب الليلة أو ليلة غد».


جيش الاحتلال الذي كان يتحضر للفرار من جنوب لبنان 2000لكن باراك كان متردداً، وأجاب: «من المهم أن ننتظر ربما يومين أو ثلاثة أيام، بل أسبوعاً حتى. يجب استنفاد الإجراءات مع الأمم المتحدة للحصول على تفويض منهم رسمياً للانسحاب وفق الـ 425». أما موفاز فأوصى بتنفيذ الانسحاب خلال 24 أو 36 ساعة، فقرر باراك إجراء مشاورات مع المجلس الوزاري الأمني المصغر.  في ليل اليوم نفسه، اتصل رئيس الأركان بقائد المنطقة الشمالية ليطلعه على أن رئيس الوزراء يصدّق على تنفيذ عملية الانسحاب مساء الغد، أي ليلة الثلاثاء الواقع فيه الثالث والعشرون من أيار، فسارع أشكنازي إلى إصدار أوامره للبدء بالعمل من أجل الإعداد لعملية الانسحاب الشامل، على أن تُستكمل فجر الرابع والعشرين من أيار، وهذا ما حصل.


 (الأخبار) - العدد ١١٢٤ الاثنين ٢٤ أيار ٢٠١٠