18-09-2021 11:13 PM بتوقيت القدس المحتلة

أحمد اسماعيل "صورة دُونها الموت"

أحمد اسماعيل

على صورة والده أراد أحمد اسماعيل أن يكون، إلا أن الموت أراد شيئاً آخراً. قلب الصورة فصار الوالد على صورة ابنه.

 

على صورة والده أراد أحمد اسماعيل أن يكون، إلا أن الموت أراد شيئاً آخراً. قلب الصورة فصار الوالد على صورة ابنه. الإرادتان صارتا حكاية تجسدها الكاميرا التي يرفعها وعليها صورة أحمد ترفرف عالية كعلم الشهادة: أنا والد الشهيد البطل أحمد اسماعيل.

لم يكن يعلم أن في تعلقه بصورة والده جرم يستحق بموجبه القتل! هي الصورة.. صورة الوالد ببزته العسكرية، التي عشقها أحمد. أراد أن يكون على صورة الوالد: عسكرياً ومصوراُ... غير أن العسكر اغتالوا ما أراد أن يكون.

وسط أسرة منها الاعلاميون والمصورون، وفي بيت لازال يحتفظ بأقدم الكاميرات، حيث  الأب فيه، كما الجد، مصور نشأ أحمد اسماعيل. ومنذ صغره، برز تعلقه بالكاميرا. يصِّف أخواتِه واحدة بجنب أخرى ملتقطاً لهم صورة جماعية بكاميرا صغيرة اعتاد أن يخصصها الحجاج هدية للأطفال.

في سن 12 عاماً، كان الطفل عُرضة للمضايقات والملاحقة. اعتقل ثم أُلصقت به تهمة السرقة، كل ذلك لدفع الطفل إلى العمل كمخبر. في السجن حقق معه أحد أفراد العائلة الحاكمة. هُدد الطفل يومها بالموت، فلم يكن أمام المعتقل الصغير إلا أن يكتب لوالدته في بطاقة لرسوم كارتونية، تحدث عما تعرض له وما سمعه، مسمياً الأفراد الذين مارسوا الضغوط عليه.

بعد خروجه من المعتقل، استمرت المضايقات. وفي خريف 2009، حزمت العائلة أمتعتها، وهرّبت الولد في صندوق السيارة وغادرت منزلها في مدينة حمد باتجاه بلدة سلماباد.

مع انطلاق الحراك الشعبي عام 2011، عاد إلى "الكاميرا"، كانت الأحداث أينما حل أحمد اسماعيل توثق كلها بالصورة، لينشرها على شبكة الانترنت أو يسلمها إلى منظمات حقوقية وإعلامية.

وفي الوقت الذي كان فيه الموت يحاصر صورة أحمد، عرّت عدسة الفتى البحريني الموت بمختلف أشكاله.. برأت صور أحمد أطباء في السلمانية –وفق حديث الوالد- والتقطت انتهاكات طالت نسوة وأطفال وعُزل، وطلقات طالت بيوت آمنة، وأنواعاً مختلفة من مسيلات الدموع استخدمتها قوات النظام ضد المدنيين.

كان يدرك أحمد أن معركة الصورة، هي معركة دونها الموت. لقبه أصحابه بـ"الزئبق" لسرعته في الحركة، يختفي من هنا ليظهر هناك، تروي اخته نادية لموقع المنار كيف أنه اختفى من سيارة للأمن حاولت دهسه، ليفاجئ الجميع أنه اختبأ تحتها لحظة مرورها. كان يلتقط المشهد ويصدر الصورة.. ليراها العالم. ابن الجزيرة المعزولة عن كاميرات الاعلام، والتي جافاها الاهتمام الدولي عرّى المستبدين في بلاده.

يستذكر اسماعيل حسن ابنه – في حديث لموقع المنار-، يروي عن عمله بلا كلل لتوثيق الأحداث ومن ثم رفعها على شبكة الانترنت.. كانت صور احمد اسماعيل تصرخ في الظلام الإعلامي تخاطب ضمير العالم الذي لم يحركه القتل بدم بارد في البحرين.

"عرفنا موقعك ومن أين تصور"..

الشهيد أحمد إسماعيلعبارات التهديد بالقتل التي تلقها ابن الاثنين والعشرين ربيعاً كانت كثيرة، في البقالة همس احدهم في أذنه بعبارة "ستندهش"، وعقب عودته من تظاهرة "9 مارس" الشهيرة اعترضته سيارات الأمن وأسمعته تهديداً صريحاً.

وبتاريخ 20 آذار/ مارس، علق أحد المجهولين على فيديو صوره أحمد "عرفنا موقعك ومن أين تصور"، وبعدها بأيام سمع الشهيد من أحد رُسل الموت لأحمد "أنت من ضمن المدرجين على لائحة القتل".

عبّر لأهله عن رغبته في الزواج، فهرعت الأم لاخبار زوجها: " أحمد قال كلمة لطالما تمنيت ان تسمعها". لم تكن تدرك أن ما سيسمعه الوالد بعد أيام، لم يكن أبداً ليتمناه.. أطل نيسان/ أبريل بخبره المشؤوم: أحمد إسماعيل مقتولاً في منطقة سلماباد، برصاصة سلاح موجه بالليزر اخترقت بطنه وفخذه الأيمن.

ورغم كل الأدلة، أصرت السلطات أن أحمد إسماعيل قضى نتيجة جرح غائر سببته آلة حادة. لم ترضَ العائلة برواية السلطة.. فكانت الشهادة بلا شهادة!

كاميرا أحمد إسماعيل

قبل لفظ أنفاسه الأخيرة تمكن عدد من المتظاهرون من حمل أحمد لاسعافه، قضى أحمد دون الكاميرا، بقيت هناك حيث أصيب واختفت. لا تعرف عائلة الشهيد ماذا حل بالكاميرا. أكثر من مرة قدم قوات النظام بحثاً عنها دون جدوى.

في احدى المرات تبلغت عائلة الشهيد أحمد اسماعيل أن الكاميرا يحتفظ بها أحدهم، قبل أن تنقطع الأخبار نهائياً.

وتنقل نادية اسماعيل أنه قبل فترة نشر على موقع "يوتيوب" فيديو لأحمد لحظة اصابته شاهده أفراد  من العائلة في السعودية "كان  يصرخ من الألم، ومن ثم حاول أن يمشي مستنداً إلى حائط قريب، مصوباً كاميرته على مكان الاصابة، وعندما رفع الكاميرا  كان الدم واضحاً وكانت خبطات يده مخضبة بالدم". حاول أهل احمد اسماعيل البحث عن الفيديو فوجودوه محذوفاً!

هذا الولد لا تنسوه.. وثّق كل ما جرى من أجل وطن حلم به

اليوم يحمل اسماعيل حسن صورة أحمد وكاميرا، يصطحبهما أينما خرج في تظاهرة او اعتصام او احتفال او حفل زفاف. تدمع عيونه مستحضراً ابنه في كل عريس يُزف، فأحمد قضى بعد أيام من تعبيره عن رغبته في الزواج.

يكرر جملة قالها بعفوية ذات مرة "أنا سأخرجه ليكون مع الناس"، قالها أحمد تعليقاً على لزوم والده المنزل، يستذكر الوالد العبارة، معقباً أن شهادة ابنه أخرجته بالفعل ليكون مع الناس. إنه يراهم الآن بعدسة أحمد، يرى في وجوه الكل صورة نجله.

"هذا الولد لا تنسوه.. وثق كل ما جرى من أجل وطن حلم به"، لا يجد اليوم غير هذه الكلمات مخاطباً به المتعاطفين مع قضيته.

والد الشهيد أحمد اسماعيلفي تدشين متحف واشنطن الإخباري "نيوزيوم" ، حيث وُضعت جدارية ضمت أسماء الصحفيين الذين قتلوا خلال العام 2012، وحوت اسم ابنه، كان الوالد حاضراً قبل أشهر.  التقى هناك نشطاء أجانب وكان كم يعرف بنفسه حين يتحدث عن أحمد.

يستذكر الوالد حياة أحمد وما غيّر فيه استشهاد احمد، ويؤكد: "سأسافر من أجل ولدي حتى آخر بلاد الدنيا، لأعرِّف به وأطالب بالقصاص من القتلة"... وكذا يفعل، متنقلاً بين منطقة وأخرى في البحرين الكاميرا وصورة ابنه بيد وعلامة النصر والصمود باليد الأخرى.

جعل أحمد اسماعيل أباه على صورته، وعلى هذه الصورة يحلو للأب أن يراه الناس. مبدع أحمد حتى في شهادته، اختار أن يصوغها في حكاية يتقاسم فيها البطولة مع أبيه... كلاهما يعبق بالآخر... فـ "أبطال من يعبقون برائحة أبطال".

* "الصورة دونها الموت" عنوان لكتاب من إصدار صحيفة "مرآة البحرين" في 14شباط/ فبراير2014، وهو "بانوراما فوتوغرافية للثورة البحرينية في حراكها الميداني، منذ انطلاقتها في 14 فبراير 2011 حتى نهاية عام 2013".